الإلغاء ، دون إحداث هزّة اجتماعيّة لا يمكن ضبطها ولا قيادتها. وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق ، وضمان الكرامة الإنسانيّة في حدود واسعة.
بدأ بتجفيف موارد الرقّ فيما عدا أسرى الحرب الشرعيّة ونسل الأرقّاء. ذلك أنّ المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترقّ أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان. وما كان الإسلام يومئذ قادرا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد ، الّذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ في أنحاء الأرض. ولو أنّه قرّر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورا على الأسرى الّذين يقعون في أيدي المسلمين ، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيّىء في عالم الرقّ هناك. وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام. ولو أنّه قرّر تحرير نسل الأرقّاء الموجود فعلا قبل أن ينظّم الأوضاع الاقتصاديّة للدولة المسلمة ولجميع من تضمّهم لترك هؤلاء الأرقّاء بلا مورد رزق ولا كافل ولا عائل ؛ ولا أواصر قربى تعصمهم من الفقر والسقوط الخلقي الّذي يفسد حياة المجتمع الناشيء. لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور لم ينصّ القرآن على استرقاق الأسرى ، بل قال : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها)(١). ولكنّه كذلك لم ينصّ على عدم استرقاقهم. وترك الدولة المسلمة تعامل أسراها حسب ما تقتضيه طبيعة موقفها. فتفادى من تفادى من الأسرى من الجانبين ، وتتبادل الأسرى من الفريقين ، وتسترقّ من تسترقّ وفق الملابسات الواقعيّة في التعامل مع أعدائها المحاربين.
وبتجفيف موارد الرقّ الأخرى ـ وكانت كثيرة جدّا ومتنوّعة ـ يقلّ العدد. وهذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرّد أن ينضمّ إلى الجماعة المسلمة ويقطع صلته بالمعسكرات المعادية. فجعل للرقيق حقّه كاملا في طلب الحرّيّة بدفع فدية عنه يكاتب عليها سيّده. ومنذ هذه اللحظة الّتي يريد فيها الحرّيّة يملك حرّيّة العمل وحرّيّة الكسب والتملّك ، فيصبح أجر عمله له ، وله أن يعمل في غير خدمة سيّده ليحصل على فديته ـ أي أنّه يصبح كيانا مستقلّا ويحصل على أهمّ مقوّمات الحرّيّة فعلا ـ ثمّ يصبح له نصيبه من بيت مال المسلمين في الزكاة.
والمسلمون مكلّفون بعد هذا أن يساعدوه بالمال على استرداد حرّيّته. وذلك كلّه غير
__________________
(١) محمّد ٤٧ : ٤.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
