ولكن عند ما يتعلّق الأمر أو النهي بعادة وتقليد ، أو بوضع اجتماعيّ معقّد ، فإنّ الإسلام يتريّث به ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرّج ، ويهيّئ الظروف الواقعية الّتي تيسّر التنفيذ والطاعة.
فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك ، أمضى أمره منذ اللحظة الأولى ، في ضربة حازمة جازمة ، لا تردّد فيها ولا تلفّت ، ولا مجاملة فيها ولا مساومة ، ولا لقاء في منتصف الطريق. لأنّ المسألة هنا مسألة قاعدة أساسيّة للتصوّر ؛ لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام.
فأمّا في الخمر والميسر فقد كان الأمر أمر عادة وإلف. والعادة تحتاج إلى علاج. فبدأ بتحريك الوجدان الدينيّ والمنطق التشريعيّ في نفوس المسلمين ، بأنّ الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع. وفي هذا إيحاء بأنّ تركهما هو الأولى. ثمّ جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ)(١). والصلاة في خمسة أوقات ، معظمها متقارب ، لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة! وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العمليّة لعادة الشرب ، وكسر لعادة الإدمان الّتي تتعلّق بمواعيد التعاطي ؛ إذ المعروف أنّ المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدّر في الموعد الّذي اعتاد تناوله. فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرّر هذا التجاوز فترت حدّة العادة وأمكن التغلّب عليها. حتّى إذا تمّت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر والميسر : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(٢).
وأمّا في الرقّ مثلا ، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعيّ اقتصاديّ ، وأمر عرف دوليّ وعالميّ في استرقاق الأسرى ، وفي استخدام الرقيق. والأوضاع الاجتماعيّة المعقّدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوّماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها. والعرف الدّوليّ يحتاج إلى اتّفاقات دوليّة ومعاهدات جماعيّة. ولم يأمر الإسلام بالرقّ قطّ ؛ ولم يرد في القرآن نصّ على استرقاق الأسرى! ولكنّه جاء فوجد الرقّ نظاما عالميّا يقوم عليه الاقتصاد العالميّ ، ووجد استرقاق الأسرى عرفا دوليّا ، يأخذ به المحاربون جميعا. فلم يكن بدّ أن يتريّث في علاج الوضع الاجتماعيّ القائم والنظام الدوليّ الشامل.
وقد اختار الإسلام أن يجفّف منابع الرقّ وموارده حتّى ينتهي بهذا النظام كلّه ـ مع الزمن ـ إلى
__________________
(١) النساء ٤ : ٤٣.
(٢) المائدة ٥ : ٩٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
