هذا وبعد ما فرض الله رمضان إذا رقدوا لم يمسّوا النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ، وكان أناس من المسلمين يصيبون من النساء والطعام بعد رقادهم ، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم ، فأنزل الله في ذلك القرآن : (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ) الآية (١).
قوله تعالى : (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ)
تعليل لعدم إيجاب ذلك ، حيث منافاته لطبيعة الفطرة ، ومن ثمّ كان التشريع الحكيم هو التحليل من أوّل الأمر.
وقوله : (فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ).
أي آب عليكم برحمته وأعفى عنكم المشاقّ في التكليف ، حيث يسّره عليكم من غير تعسير.
قال ابن عاشور : هذا دليل على أنّ القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان ؛ إذ علم الله ما ضيّق به بعض المسلمين على أنفسهم ، وأوحى به إلى رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا يشير إلى أنّ المسلمين لم يفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كما في روايات البخاري والنسائي ، سوى حديث ابن صرمة عند أبي داوود. ولعلّه من زيادات الراوي!
قال : فأمّا أن يكون ذلك قد شرع ثمّ نسخ ، فلا أحسبه ، إذ ليس من شأن الدين الّذي شرع الصوم أوّل مرّة يوما في السنة ، ثمّ درّجه فشرع الصوم شهرا على التخيير بينه وبين الفديه تخفيفا ، أن يفرضه بعد ذلك ليلا ونهارا فلا يبيح الفطر إلّا ساعات قليلة من الليل!؟ (٢)
قوله تعالى : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ)
اللباس ما يستر الإنسان عن عواره ، ويقيه عن الحرّ والبرد ، وفوق ذلك فهو زينة له.
قال الراغب : وجعل اللّباس لكلّ ما يغطّي من الإنسان عن قبيح ، فجعل الزوج لزوجه لباسا ، من حيث إنّه يمنع صاحبه ويصدّه عن تعاطي قبيح (٣).
وهذا من أحسن التشبيه ، حيث الزوج لزوجه ، فوق أنّه زينة له ، يقيه ويحفظه من ارتكاب
__________________
(١) الدرّ ١ : ٤٧٧ ـ ٤٧٨ ؛ الطبري ٢ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧ / ٢٤١٩ ؛ عبد الرزّاق ١ : ٣١٠ / ١٨٥.
(٢) التحرير والتنوير ٢ : ١٧٩.
(٣) المفردات : ٤٤٧.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
