قال تعالى :
(فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠))
وإذ كان الإسلام شريعة الجهاد والكفاح المستمرّ ، حتّى يستقرّ أمر الدين ويكون الدين كلّه لله ، فإنّ لازم ذلك ـ والمجاهدون شباب طبعا ـ أن يتخلّف هناك بعد حين وآخر صغار وأيتام ، لا كافل لهم في الحياة ، الأمر الّذي كان يسبّب مشكلة في المجتمع الإسلاميّ المبتني على أساس العدل والإنصاف.
إذن فمن واجب المجتمع الإسلاميّ أن يتعاهد أمر هؤلاء الأيتام دون أن يضيعوا وتضيع أموالهم هدرا.
هذا ولا سيّما في العهد الأوّل من صدر الإسلام ، لم تكن هناك جهات تضمن درك أمثال هذه الفوائت ، سوى تكليف الآحاد حسب استطاعتهم.
فقد كان البعض يتحاشا اقتراب أموال اليتامى ، وآخر كان يطمع في أموالهم ، فكان الأمر بين تحرّج صالح ونهم طامع ، وفي النهاية إهمال جانبهم أحيانا.
والآية الكريمة تفرض التكليف الواجب بشأنهم ، وأن لا موضع للاحتياط والتحرّج ، بعد العمل وفق التكليف الشرعيّ اللّائح ، كما لا موضع لأهل الإطماع بعد الرقابة الشديدة من الله. ويكفيك زجرا عن الطمع في أموال اليتامى ، قوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)(١)(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)(٢).
أمّا الاعتذار بالتحاشي عن مخالطة أموالهم ، فغير عاذر فيما لو أريد الإصلاح دون الإفساد. والله عالم بالسرائر والنيّات.
__________________
(١) الأنعام ٦ : ١٥٢. والإسراء ١٧ : ٣٤.
(٢) النساء ٤ : ١٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
