قال تعالى :
(فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣))
قد سبق أنّهم كانوا يأتون أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز. وهذه الأسواق لم تكن أسواق بيع وشراء فحسب ، إنّما كانت كذلك أسواق كلام ومفاخرات بالآباء. ومعاظمات بالأنساب.
قال سيّد قطب : ذلك حين لم يكن للعرب من الاهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات! لم تكن لهم رسالة إنسانيّة بعد ينفقون فيها طاقاتهم في القول والعمل.
ورسالتهم الإنسانيّة الوحيدة هي الّتي ناطهم بها الإسلام. فأمّا قبل الإسلام وبدون الإسلام فلا رسالة لهم في الأرض ، ولا ذكر لهم في السماء. ومن ثمّ كانوا ينفقون أيّام عكاظ ومجنّة وذي المجاز في تلك الاهتمامات الفارغة ، في المفاخرة بالآباء وفي التعاظم بالأنساب.
أمّا الآن فقد أصبحت لهم بالإسلام رسالة ضخمة ، وأنشأ لهم الإسلام تصوّرا جديدا ، بعد أن أنشأهم نشأة جديدة.
أمّا الآن فيوجّههم القرآن لما هو خير ، يوجّههم إلى ذكر الله بعد قضاء مناسك الحجّ ، بدلا من ذكر الآباء :
(فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) وهذا لا يعني : أن يذكروا الله مع ذكر الآباء. ولكنّه يحمل طابع التنديد ، ويوحي بالتوجيه إلى الأجدر الأولى. يقول لهم : إنّكم تذكرون الآباء حيث لا يجوز أن يذكر غير الله ـ سبحانه ـ ، فاستبدلوا هذا بذاك ، بل كونوا أشدّ ذكرا لله ، وأنتم خرجتم إليه متجرّدين من الثياب ، فتجرّدوا كذلك من الأنساب. ويقول لهم : ذكر الله هو الّذي يرفع العباد حقّا ، وليس هو التفاخر بالآباء. فالميزان الجديد للقيم البشريّة هو ميزان التقوى
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
