قال تعالى :
(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥))
وهذا التذييل لآيات القتال ، ينبؤك عن أهمّيّة دور المال في تشييد بناء الجماعة المسلمة ، جنبا إلى جنب الرجال الأكفاء. فإنّ الجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال ، ولقد كان المجاهد المسلم آنذاك يجهّز نفسه بعدّة القتال ومركب القتال وزاد القتال ، لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند ، إنّما كان هناك تطوّع بالنفس وتطوّع بالمال ، وهذا ما تصنعه العقيدة حين تقوم عليها النّظم ؛ إنّها لا تحتاج حينذاك أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها ، إنّما يتقدّم الجند ويتقدّم القادة متطوّعين ينفقون هم عليها!
ولكنّ كثيرا من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد ، والذود عن منهج الله وراية العقيدة ، لم يكونوا يجدون ما يزوّدون به أنفسهم ، ولا ما يتجهّزون به من عدّة الحرب ومركب الحرب ، وكانوا يأتون النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يطلبون أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الّذي لا يبلغ على الأقدام ، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ)(١).
ومن ثمّ كثرت التوجيهات القرآنيّة والنبويّة إلى الإنفاق في سبيل الله ، الإنفاق لتجهيز الغزاة ، وقد صاحبت الدعوة إلى الجهاد ، الدعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع.
[٢ / ٥٣١٤] أخرج ابن جرير عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء عن قوله : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال : يقول : أنفقوا في سبيل الله ما قلّ وكثر. قال : وقال لي عبد الله بن كثير : نزلت في النفقة في سبيل الله (٢).
[٢ / ٥٣١٥] وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ، في قوله تعالى : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) قال : في طاعة الله (٣).
__________________
(١) التوبة ٩ : ٩٢.
(٢) الطبري ٢ : ٢٧٦ / ٢٥٨٧.
(٣) ابن أبي حاتم ١ : ٣٣٠ / ١٧٤٣.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
