فترة التجرّد إلى الله ، ومن ثمّ امتنعت فيها المباشرة تحقيقا لهذا التجرّد الكامل الّذي تنسلخ فيه النفس من كلّ لذّاتها ويخلص فيه القلب لله من كلّ شاغل.
(وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ). سواء في ذلك فترة الإمساك وفترة الإفطار.
وفي النهاية يربط الأمر كلّه بالله ، على طريقة القرآن في توجيه كلّ نشاط وكلّ امتناع ، كلّ أمر وكلّ نهي ، كلّ حركة وكلّ سكون ، (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها). والنهي هنا عن القرب ، لتكون هناك منطقة أمان ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه (١).
والإنسان لا يملك نفسه في كلّ وقت ، فأحرى به أن لا يعرض إرادته للامتحان ، بالقرب من المحظورات المشتهاة ، اعتمادا على نفسه أنّها تمتنع عن الارتكاب حينما يريد.
وهذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه بتربية النفس في التحفّظ ولزوم التقوى : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ) معالم هدايته (لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) والتقوى هي تعهّد النفس وتقيّدها بملازمة الحدود المضروبة دون الانصياع لملاذّ الحياة من غير هوادة.
ملاحظات
ينبغي التريث عند تعابير جاءت في آية الصيام هنا :
أوّلا قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) ، قد يشي بأنّ هناك من قبل كان إتيان النساء ليلا وكذا الأكل والشرب ، محرّما على صائمي النهار. إذ لا رابطة جوهريّا بين صيام النهار والامتناع من هذه الأمور ليلا.
وقد رووا في ذلك روايات ، وحسبوها شأن النزول. وهذا رأي جمهور المفسرين وأنكر أبو مسلم الأصفهاني أن يكون هذا نسخا لشيء تقرّر في شرعنا ، وقال : هو نسخ لما كان في شريعة النصارى (٢).
نعم كانت شريعة الصوم فيما سلف تفرض الإمساك عن المشتهيات طول الليل والنهار ، من غروب الشمس فإلى غروبها في اليوم التالي. لكن بعد ما فرض الصوم على المسلمين وأبيح لهم
__________________
(١) انظر : المبسوط للسرخسي ٣ : ١٠١ ، رواه عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم.
(٢) التفسير الكبير ٥ : ١٠٣.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
