وإن هو إلّا عقاب الله ، لمن يحيد عن منهجه ، ولا يستمع لدعوته : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً).
وإنّ الإيمان الواثق لنعمة الله على عباده ، لا يبدّلها مبدّل حتّى يحيق به ذلك العقاب. والعياذ بالله (١).
قوله تعالى : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا)
وفي ظلّ هذا التحذير من التلكّؤ في الاستجابة ، والتبديل بعد النعمة ، يذكر حال الّذين كفروا ، وحال الّذين آمنوا ، ويكشف عن الفرق بين ميزان الّذين كفروا وميزان الّذين آمنوا للقيم والأحوال والأشخاص :
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) بأعراضها الزهيدة واهتماماتها الصغيرة ، فوقفوا عندها لا يتجاوزونها ، ولا يمدّون بأبصار إلى شيء وراءها ، ولا يعرفون قيما أخرى غير قيمها.
فالّذي يقف عنده حدود هذه الحياة الدنيا ، لا يمكن أن يسمو تصوّره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة الّتي يحفل بها المؤمن ، ويمدّ إليها بصره في آفاقها البعيدة. إنّ المؤمن قد يحتقر أعراض هذه الحياة كلّها ، لا لأنّه أصغر منها همّة أو أضعف منها طاقة ، ولا لأنّه سلبي لا ينمي الحياة ولا يرقيها. ولكن لأنّه ينظر إليها من عل ـ مع قيامه بالخلافة فيها ، وإنشائه للعمران والحضارة ، وعنايته بالنماء والإكثار ـ فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الأعراض وأغلى ، ينشد منها أن يقرّ في الأرض منهجا. وأن يقود البشريّة إلى ما هو أرفع وأكمل ، وأن يركّز راية الله فوق هامات الأرض والناس ، ليتطلّع إليها البشر في مكانها الرفيع ، وليمدّوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود ، الّذي يحيى له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف ، وضخامه الاهتمام ، وشمول النظرة.
وينظر الصغار المفارقون في وحل الأرض ، المستبعدون لأهداف الأرض ، ينظرون للّذين آمنوا ، فيرونهم يتركون لهم وحلهم وسفسافهم ومتاعهم الزهيد ، ليحاولوا آمالا كبارا لا تخصّهم وحدهم ، وإنّما البشريّة جمعاء.
ومن ثمّ (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) : كيف تركوا الخير العاجل لخير آجل. وزهدوا فيما
__________________
(١) في ظلال القرآن ١ : ٣٠٨ ـ ٣٠٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
