هؤلاء خيار هذه الأمّة ، ثمّ جعلهم الله أهل رجاء ؛ إنّه من رجا طلب ، ومن خاف هرب (١)!
[٢ / ٦٢٠٥] وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : أثنى الله على أصحاب نبيّه محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم أحسن الثناء فقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هؤلاء خيار هذه الأمّة ، ثمّ جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون ، وأنّه من رجا طلب ، ومن خاف هرب (٢).
كلام عن الرجاء
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي ـ رحمهالله ـ : وإنّما ذكر المؤمنين برجاء الرحمة ، وإن كانت هي لهم لا محالة ، لأنّهم لا يدرون ما يكون منهم من الإقامة على طاعة الله أو الانقلاب عنها إلى معصيته ، لأنّهم لا يدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل.
قال : وقال الجبّائيّ (٣) : لأنّهم لا يعلمون أنّهم أدّوا كما يجب لله عليهم ، لأنّ هذا العلم من الواجب ، وهم لا يعلمونه إلّا بعلم آخر. وكذلك سبيل العلم في أنّهم لا يعلمونه إلّا بعلم غيره ، وهذا يوجب أنّهم لا يعلمون إذن كما يجب لله عليهم.
وقال ابن الأخشاد (٤) : لأنّه لا يتّفق للعبد التوبة من كلّ معصية.
قال الشيخ : ويمكن في الآية وجه آخر ـ على مذهبنا ـ وهو أن يكون رجاؤهم لرخصة الله في غفران معاصيهم الّتي لم يتّفق لهم التوبة عنها ، واخترموا دونها ، فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم تفضّلا!
قال : فأمّا الوجه الأوّل ، فإنّما يصحّ على مذهب من يجوّز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه (٥) ، أو
__________________
(١) الدرّ ١ : ٦٠٥ ؛ ابن أبي حاتم ٢ : ٣٨٨ / ٢٠٤١ ؛ الطبري ٢ : ٤٨٤ / ٣٢٧٤.
(٢) الطبري ٢ : ٤٨٤ / ٣٢٧٣ ؛ الدرّ ١ : ٦٠٥.
(٣) هو أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب ، من رؤساء المعتزلة المعروفين. توفّي : ٣٠٣.
(٤) هو أبو بكر أحمد بن عليّ بن معجور ، من رؤساء المعتزلة متكلّم فقيه ومفسّر معروف. ويعرف بابن إخشيد. توفّي : ٣٢٦.
(٥) ذهب أهل التحقيق من أصحابنا إلى أنّ المؤمن لا ينقلب كافرا البتّة ، إلّا إذا كان إيمانه صوريّا وعن استسلام ، لا عن
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
