حجّوا ، فجاؤوا ، أو عادوا من سفرهم ، لم يدخلوا البيوت أو الخيم من قبل أبوابها. فجاء رجل منهم فدخل من قبل الباب ، فكأنّه عير بذلك. فنزلت الآية دفعا لتوهّم العار ورفعا لسنّة جاهليّة كانت بدعة لا مبرّر لها (١).
وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامّة ، أو في الحجّ بصفة خاصّة ، وهو الأظهر في السياق ، فقد كانوا يعتقدون أنّ هذا هو البرّ ـ أي الخير أو الإيمان ـ فجاء القرآن ليبطل هذا التصوّر الفارغ ، وهذا العمل المتكلّف فيه الّذي لا يستند إلى حجّة ، ولا يؤدّي إلى شيء! وجاء ليصحّح التصوّر الإيماني للبرّ. فالبرّ هو التقوى ، هو الشعور بالله ورقابته في السرّ والعلن ، وليس شكليّة من الشكليّات الّتي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان. ولا تعني أكثر من عادة جاهليّة فارغة!
كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها ، وكرّر الإشارة إلى التقوى ، بوصفها سبيل الفلاح : (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وبهذا ربط القلوب بحقيقة إيمانيّة أصيلة ـ هي التقوى ـ وربط هذه الحقيقة برجاء الفلاح المطلق في الدنيا والآخرة ، وأبطل كلّ عادة جاهليّة فارغة لا طائل تحتها. ووجّه المؤمنين إلى إدراك نعمة الله عليهم ، بأن هداهم إلى طريق المكرمات وأجزل لهم المثوبات. فكان تحذيرا من ردى وتحضيضا إلى هدى جميعا ، كلّ ذلك في آية واحدة قصيرة.
وأتوا الأمور من وجوهها
والآية في رسالتها العامّة تهدف إلى تثبيت أصل إيمانيّ ، ينبغي أن يكون مسيطرا على حياة المسلمين في كافّة أنحائها الفرديّة والاجتماعيّة ، فلا يدخلوا في أمر ولا يخرجوا منه إلّا عن طريقه المستقيم المألوف ، ويدعوا منعرجات السبل ، الأمر الّذي يضمن لهم النجاح والفلاح ، إن دنيا أو آخرة ، وعلى ذمّة الخلود.
(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) من طرقها المألوفة المستقيمة. (وَاتَّقُوا اللهَ) واحذروا منحدرات
__________________
(١) البخاري ٢ : ٢٠٥ ، و ٥ : ١٥٦ ـ ١٥٧ ، و ٧ : ٢٣٤ ؛ مسلم ٨ : ٢٤٣ ؛ الحاكم ١ : ٤٨٣ ؛ سنن سعيد ٢ : ٧٠٧ / ٢٨٣ ؛ أسباب النزول للواحدي : ٢٨ ـ ٢٩ ؛ الطبري ٢ : ٢٥٥ / ٢٥١٨ ؛ الدرّ ١ : ٤٩٣ ، و ٧ : ٥٦٨ ؛ ابن أبي حاتم ١ : ٣٢٣ / ١٧٠٩ ؛ الثعلبي ٢ : ٨٥ ـ ٨٦ ؛ عبد الرزّاق ١ : ٣١٣ ـ ٣١٤ / ١٩٤ ـ ١٩٥.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
