نعم ذهب إليه أيضا بعض أصحابنا المتأخّرين كالفقيه البحراني (١) وصاحب الجواهر (٢) وتلميذه المولى عليّ الكني (٣) استنادا إلى ظواهر آيات وروايات حسبما يمرّ عليك.
وحيث كان أصل اختيار هذا المذهب للمعتزلة ، وهم سبقوا غيرهم في أصول الاستدلال عليه بما لم يتركوا لمن بعدهم شيئا يذكر ، كان من الواجب النظر فيما قالوه بالذات بهذا الصدد :
قال القاضي عبد الجبّار (٤) ـ هو من أكابر شيوخ الاعتزال وأوسع من تكلّم في هذا المذهب وكتب فيه الكتب الموسعة ـ :
«فإن قيل : وما تلك الدلالة الشرعيّة الّتي دلّتكم على أنّ في المعاصي ما هو كبير وفيها ما هو صغير ، أفي كتاب الله تعالى أم في سنّة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم أم في اتّفاق الأمّة؟
قيل له : أمّا اتّفاق الأمّة فظاهر على أنّ أفعال العباد تشتمل على الصغير والكبير. غير أنّا نتبرّك به ونتلو آيات فيها ذكر الصغير والكبير وما في معناه :
قال الله سبحانه وتعالى : (ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها)(٥)
وقال تعالى : (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ)(٦)
وقال : (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ)(٧)
فرتّب المعاصي هذا الترتيب ، بدأ بالكفر الّذي هو أعظم المعاصي. وثنّاه بالفسق ، وختم بالعصيان. فلا بدّ من أن يكون قد أراد به الصغائر ، وقد صرّح بذكر الكفر والفسق قبله.
وقال أيضا : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)(٨). فلا بدّ من أن يكون المراد باللّمم الصغائر ، وإلّا كان لا يكون للاستثناء معنى وفائدة ، إذ المستثنى لا بدّ من أن يكون غير المستثنى منه.
__________________
(١) الحدائق الناضرة ١٠ : ٥٤.
(٢) جواهر الكلام ١٣ : ٣٠٥.
(٣) كتاب القضاء : ٢٧٦.
(٤) استدعاه الوزير الصاحب بن عبّاد في دولة آل بويه إلى الرّي وولّاه قاضيا لقضاتها في سنة ٣٦٧ ه. وشملت رئاسته القضاء في الرّي وقزوين وزنجان وقم ودماوند. ثمّ أضيف إليه قضاء جرجان وطبرستان. وقد كان موضع إعجاب الوزير العظيم الشأن.
(٥) الكهف ١٨ : ٤٩.
(٦) القمر ٥٤ : ٥٣.
(٧) الحجرات ٤٩ : ٧.
(٨) النجم ٥٣ : ٣٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
