وقال أيضا : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)(١). وأراد به الصغيرة ، على ما شرحه المفسّرون.
فبهذه الوجوه الّتي ذكرناها علم أنّ في المعاصي صغيرا كما أنّ فيها كبيرا ، وإلّا فلو خلّينا وقضيّة العقل لكنّا نقطع على أنّ الكلّ كبير ...» (٢).
وزاد في الجواهر الاستشهاد بروايات تعداد الكبائر ، وبما ورد من التصريح بالصغائر ، وأنّها مغفورة عند اجتناب الكبائر أو بالأعمال الصالحة (٣).
***
لكن لا موضع في الآيات ولا في الروايات للاستدلال بها على إثبات الصغائر بإزاء الكبائر ، اللهمّ إلّا بالنسبة وباعتبار الإضافة.
أمّا آية الكهف (٤٩) فالاستشهاد بها موقوف على إرادة صغائر السيّئات وكبائرها. في حين أنّ المقصود جزئيّات الأمور وكلّيّاتها ، (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(٤).
وهذا كقوله تعالى : (وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ)(٥). وقوله : (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ)(٦). وقوله : (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(٧).
ومن ثمّ تعقّبت الآية بقوله : (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً)(٨).
وهكذا آية القمر : (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ)(٩).
وأمّا آية الحجرات (١٠) فالكفر هو جحود الحقّ ، والفسوق هو الخروج عن القصد والاعتدال ، والعصيان هو التمرّد على المولى الكريم (١١). وليست الثلاثة مانعة الجمع ، بعد قابليّة انطباق بعضها
__________________
(١) النساء ٤ : ٤٨.
(٢) شرح الأصول الخمسة ، للقاضي عبد الجبّار : ٦٣٣ ـ ٦٣٤.
(٣) جواهر الكلام ١٣ : ٣٠٦.
(٤) سورة ق ٥٠ : ١٨.
(٥) البقرة ٢ : ٢٨٢.
(٦) التوبة ٩ : ١٢١.
(٧) يونس ١٠ : ٦١.
(٨) الكهف ١٨ : ٤٩.
(٩) القمر ٥٤ : ٥٢ ـ ٥٣.
(١٠) يونس ١٠ : ٦١.
(١١) والفرق بين الثلاثة : أنّ الأوّل إنكار مطلق. والثاني انحراف عمليّ. والثالث انحراف في القصد والنيّة المعبّر عنه بخبث باطنيّ.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
