وإلى هذا المعنى أيضا يشير قوله تعالى : (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ)(١). مدح تعالى المحسنين ووصفهم بتعهّد دينيّ قويم يمنعهم عن ارتكاب الجرائم والآثام ، ما عدا ما يقع منهم أحيانا (٢) عن دوافع غير إراديّة وغير جدّيّة ، وإنّما تصدر منهم صدورا. فهي مغفورة لهم تفضّلا ورحمة بجانب ضعفهم البشريّ ، وتقديرا لمكان إيمانهم القويم حيث التعهّد الدينيّ هو الّذي يزجر بهم ويدعوهم إلى الندم والاستغفار إثر ما فرط منهم من خطأ!
وبذلك جاء التصريح في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(٣).
قوله : (ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا ...) تفسير لللّم.
[٢ / ٦٢٧٠] على ما جاء في حديث إسحاق بن عمّار عن الإمام الصادق عليهالسلام : «اللّمم : الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر الله منه» (٤) كأنّه لم يرد إيقاعه وإنّما وقع منه وقوعا على خلاف طبعه ، ورغم إرادته في التعهّد الدينيّ ، ومن ثمّ يندم عليه فور ما فرط منه ويتوب إلى الله!
[٢ / ٦٢٧١] وفي حديث آخر قال عليهالسلام : «اللّمام : العبد الّذي يلمّ الذنب بعد الذنب ليس من سليقته أي من طبيعته» (٥).
[٢ / ٦٢٧٢] وقال : «ما من مؤمن إلّا وله ذنب يهجره زمانا ثمّ يلمّ به ...» (٦).
__________________
(١) النجم ٥٣ : ٣١ ـ ٣٢.
(٢) هذا هو تفسير «اللّمم». لأنّه مقاربة الشيء من غير مواقعته ، يقال : فلان يفعل كذا لمما أي حينا وآخر ، كأنّه لا يتعمّده سوى ما يفرط منه أحيانا. قال الصادق عليهالسلام : «هو الذنب يلمّ به الرجل ، فيمكث ما شاء الله ثمّ يلمّ به بعد». وفي حديث آخر : «الهنّة بعد الهنّة» أي الذنب بعد الذنب يلمّ به العبد ، روى القمّي عن إسحاق بن عمّار قال : قال الصادق عليهالسلام : «ما من مؤمن إلّا وله ذنب يهجره زمانا ثمّ يلمّ به ، وذلك قول الله عزوجل : إِلَّا اللَّمَمَ ... واللمم : الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر الله منه» (الكافي ٢ : ٤٤١ ـ ٤٤٢). قال ابن عرفة : اللمم عند العرب أن يفعل الإنسان الشيء في الحين ، لا يكون له عادة. ويقال : اللمم هو ما يلمّ به العبد من ذنوب صغار بجهالة ثمّ يندم ويستغفر ويتوب فيغفر له. (مجمع البحرين ٤ : ١٤٢ ، مادّة : ل م م).
(٣) آل عمران ٣ : ١٣٥.
(٤) الكافي ٢ : ٤٤٢ / ٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب اللمم.
(٥) المصدر / ٥.
(٦) المصدر / ٣.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
