وأمّا لو فرض بقاؤها على مفاسدها في هذا الظرف أيضا ، ومع ذلك رخّص في فعلها ورفع العقاب عن مرتكبها تفضّلا ، فهذا إغراء بفعل القبيح الواقعيّ من غير ما سبب معقول!
***
أمّا الآية الكريمة فإنّ لها تفسيرا وجيها غير ما زعموه :
الآية تعرّضت لجانب ضعف هذا الإنسان تجاه متطلّبات حياته المادّيّة ، ولذائذ تبتغيها شهواته النفسيّة المتراكمة (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً)(١). ومن ثمّ فإنّه غير معصوم عن الخطأ والزلل في حياته ، مهما كان جادّا في تربية نفسه وتهذيبها ، فإنّ نفسه قد تغلبه أحيانا ويرتكب أخطاء خارج إرادته العقليّة!
إنّ هذا الدين يدعو إلى الرفعة والسموّ والطهر والنظافة بما فيه من حدود وتكاليف ، لكنّه لا يتغافل في نفس الوقت ضعف هذا الإنسان وقصوره ، ولا يتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها ، ومختلف دروب حياته ومنحنياته الكثيرة ، ومن ثمّ وضع برامجه على أساس من السماح واليسر والسعة ، فكان التوازن العادل بين التكليف والطاقة ، وبين الدوافع والزواجر ، وبين الترغيب والترهيب ، وبين التهديد بالعقاب والتطميع في الثواب. الأمر الّذي تتجسّد فيه حكمته تعالى في الأمر بالطاعة والإطماع في العفو والمغفرة!
إنّه يهدّد الإنسان في اقتراف الكبائر الموبقات ، لأنّ في ارتكابها تهديدا بسلامة المجتمع ، وتلويثا لساحة هذا الإنسان ، المطلوب طهارتها ونزاهتها عن الأدناس والأرجاس!
ثمّ إنّه لا يتغافل جانب ضعف هذا الإنسان الّذي قد يستسلم لدوافع نفسه أحيانا فيرتكب ما لا ينبغي بشأنه الرفيع! الأمر الّذي لا محيص لهذا الإنسان عنه مادام قيد مباهج المادّة وزخارفها ، فسمح له بالعفو والغفران مادام صدور الخطاء منه وقع لمما (٢) ، ويندم عليه فور ارتكابه ، ممّا يشفّ عن تعهّده والتزامه تجاه أوامر الدين وزواجره.
إذن فمعنى الآية الكريمة : «إنكم أيها المؤمنون إذا ما ثبتم على تعهدكم بالدين واجتنبتم محرمات وفواحش نهيتم عنها ، فإن ما يفرط منكم من الخطايا بين آونة وأخرى ، هي مسموحة مغفورة لكم».
__________________
(١) النساء ٤ : ٢٨.
(٢) سنشرح مفهوم هذه الكلمة عند تفسير الآية التالية.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
