الخير. فإذا استحقّ العقاب بالمعصية فإمّا أن يقدّم الثواب على العقاب ، وهو باطل بالإجماع ؛ لأنّ الثواب المستحقّ بالإيمان دائم. أو يقدّم العقاب على الثواب ـ وهو المطلوب ـ أو يجمع بينهما ـ وهو محال ـ الثاني : يلزم في من عبد الله تعالى مدّة عمره ثمّ يعصي بمعصية ، مع بقاء إيمانه أن يبقى مخلّدا في النار كمن أشرك بالله مدّة عمره ، وذلك محال ، لقبحه عند العقلاء» (١).
الرابعة : هل المراد بالإحباط تأثير العمل اللّاحق في بطلان العمل السابق ، بمعنى انقلابه فاسدا من الأوّل ، بعد أن كان قد وقع صحيحا؟ أم المراد إبطال أثره في المستقبل من مثوبة وغيرها من آثار كانت مترتّبة عليه لو لا الإحباط؟
لا شكّ أنّ المفروض الأوّل باطل ، إذ لا تأثير للمتأخّر في المتقدّم وجودا إلّا إذا كان بمعنى بطلان المتقدّم واقعا ، لما في علم الله : أنّ شرطه المتأخّر (وهو عدم وجود العمل اللّاحق) لا يتحقّق في ظرفه. الأمر الّذي ليس من الانقلاب الحقيقي ، وإنّما هو انكشاف للواقعيّة الّتي كانت معلومة عند الله وخافية علينا.
مثلا إذا كانت الموافاة على الإيمان شرطا في صحّة الأعمال ، فالمرتدّ الّذي يموت على الكفر ، فاقد لهذا الشرط في ظرف الواقع ، ومن ثمّ فإنّ أعماله جميعا كانت باطلة من يومها الأوّل ، وينكشف ذلك لنا عند ما يموت على الارتداد!
الخامسة : هل الفاسق مؤمن أم كافر أم وسط بين الأمرين؟
أثبتت المعتزلة للفاسق منزلة بين المنزلتين ، لا هو باق على إيمانه ولا هو مرتدّ إلى الكفر والجحود. قالوا : صاحب الكبيرة لا يسمّى مؤمنا ولا كافرا ، وإنّما يسمّى فاسقا. أمّا الأوّل ، فلأنّ مرتكب الكبيرة يستحقّ الذمّ واللعن والاستخفاف والإهانة ، ولا شيء من ذلك يصلح لشأن المؤمن الّذي يستحقّ المدح والتعظيم والموالاة. وقد سمّوا من خالفهم في هذا الرأي بالمرجئة (٢). وأمّا الثاني ، فلأنّ الكافر هو من يستحقّ العقاب العظيم ، ويختصّ بأحكام مخصوصة ، وله حالة جحود لنعم الله تعالى عليه ، الأمر الّذي لا ينطبق على مرتكب الكبيرة. وخالفهم في هذا الرأي الخوارج (٣).
__________________
(١) شرح التجريد ، المسألة الثامنة في انقطاع عذاب أصحاب الكبائر : ٢٣٣.
(٢) راجع : شرح الأصول الخمسة : ٧٠١ ـ ٧١١.
(٣) المصدر : ٧١٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
