وهي ـ أيضا ـ من المسائل الّتي اختلفنا فيها مع أصحاب الاعتزال ، لزعمهم أنّ من شرط الإيمان هو العمل بالأركان (١). فأخذوا من فروع أحكام الإسلام قيدا في ثبوت أصوله ، ومن ثمّ فإنّ المشروط والمقيّد بشيء ينتفي عند فقد شرطه أو قيده. قال القاضي : لأنّ الأمّة اتّفقت على أنّ ركعتي الفجر (٢) من الدين ، وإذا ثبت أنّه من الدين ثبت أنّه من الإيمان ، لأنّ الدين والإيمان واحد! (٣).
قلت : الإيمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان. أمّا فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فهو من آثار الإيمان المترتّبة عليه مع الالتفات إليه. ويختلف حسب اختلاف درجة الإيمان وقوّته ، كالعقل حسب درجاته في الكمال يؤثّر في اتّزان الإنسان في أفعاله واجتناب القبائح. فكما لا يصحّ أن يقال لكلّ مرتكب قبيح : إنّه فاقد للعقل إطلاقا ، كذلك لا يصحّ نفي الإيمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود!
ومن ثمّ فإنّ الفاسق باق على إيمانه ، وهو الّذي يدعوه إلى التوبة والاستغفار ، ولو لاه لم يتب ولم يكن يؤوب. نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى إنكار قول الرسول وجحد رسالته ـ العياذ بالله ـ لكان مرتدّا عن الإيمان وداخلا في حدّ الكفر ، وبذلك كان قد قطع حبل الله المتين ، الّذي اعتصم به عباده المؤمنون ، فلا آصرة تربطه مع الله سوى اللّجوء إلى حظيرة الإيمان.
أمّا استحقاقه المذمّة والإهانة على ارتكاب المعصية ، فلا يتنافى مع استحقاقه الإجلال والتعظيم على ثباته على الإيمان ، لأنّهما جهتان مترتّبتان على عنوانين لا يمسّ أحدهما الآخر ، فيذمّ على جهة ويمدح على أخرى ، كما يقبّح إنسان على قبيحة ارتكبها ، ويستحسن فعله الآخر ، إذا كانا على جهتين وبعنوانين لا صلة بينهما!
__________________
(١) الإيمان عند أبي عليّ وأبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات ، الفرائض دون النوافل واجتناب المقبّحات. وعند أبي الهذيل عبارة عن أداء الطاعات الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبّحات. وقد اختاره قاضي القضاة. انظر : شرح الأصول الخمسة : ٧٠٧ ـ ٧٠٨.
(٢) يعني نافلته حسب اختياره مذهب أبي الهذيل في كون النوافل من الإيمان.
(٣) شرح الأصول الخمسة : ٧٠٨.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
