عذيرك من محارب! ألا أراك قد وضعت اللّامة ولم تضعها الملائكة! فقام النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فزعا ، فقال لأصحابه : «عزمت عليكم : لا تصلّوا صلاة العصر حتّى تأتوا بني قريظة» ، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فقالت طائفة من المسلمين : إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يرد أن تدعوا الصلاة ، فصلّوا ، وقالت طائفة : والله إنّا لفي عزيمة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وما علينا بأس ، فصلّت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، فلم يعنّف النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم واحدا من الفريقين ، وخرج النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فمرّ بمجالس بينه وبين بني قريظة ، فقال «هل مرّ بكم من أحد؟» فقالوا : مرّ علينا دحية الكلبي ، على بغلة شهباء ، تحته قطيفة ديباج. فقال النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «ليس ذلك بدحية ولكنّه جبريل ، أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب» ، قال : فحاصرهم النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف (١) حتّى يسمعهم كلامه ففعلوا ، فناداهم : «يا إخوة القردة والخنازير!» قالوا : يا أبا القاسم ، ما كنت فاحشا! قال : فحاصرهم حتّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم ونساءهم ، وزعموا أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : أصاب الحكم (٢) وكان حييّ بن أخطب استجاش المشركين على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فجاء إلى بني قريظة فاستفتح عليهم ليلا ، فقال سيّدهم : إنّ هذا الرجل مشئوم فلا يشئمنّكم ، فناداهم حييّ : يا بني قريظة ألا تستحيون ، ألا تلحقوني ، ألا تضيفوني ، فإنّي جائع مقرور. (٣) فقالت بنو قريظة : والله لنفتحنّ له ، فلم يزالوا حتّى فتحوا له ، فلمّا دخل معهم أطمّهم. (٤) قال : يا بني قريظة ، جئتكم في عزّ الدهر ، جئتكم في عارض برد ، لا يقوم لسبيله شيء! فقال له سيّدهم : أتعدنا عارضا بردا ، تنكشف عنّا وتدعنا عند بحر دائم ، لا يفارقنا ، إنّما تعدنا الغرور! قال : فواثقهم وعاهدهم : لئن انقضت جموع الأحزاب أن يجيء حتّى يدخل معهم أطمّهم ، فأطاعوه حينئذ في الغدر بالنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وبالمسلمين. فلمّا فضّ الله جموع الأحزاب انطلق حتّى إذا كان بالروحاء (٥) ذكر العهد والميثاق الّذي أعطاهم ، فرجع حتّى دخل معهم أطمّهم ، فلمّا قتلت بنو قريظة أتي به مكتوفا إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال حييّ للنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ،
__________________
(١) نوع من الترس. تؤخذ من جلود الإبل.
(٢) أمّا أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أنفذ حكم سعد ، ففيه كلام ، لعلّنا نتعرّض له في مجال آخر.
(٣) المقرور : من أصابه القرّ وهو البرد.
(٤) الأطمّ : حصن مبنيّ بالحجارة.
(٥) على بعد أربعين ميلا من المدينة.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
