على عرفة ، والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرّون أنّها من المشاعر والحجّ ودين إبراهيم ، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ، وأن يفيضوا منها. إلّا أنّهم قالوا : نحن أهل الحرم ، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ، ولا نعظّم غيرها كما نعظّمها نحن الحمس ـ والحمس : أهل الحرم ـ ثمّ جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحلّ مثل الّذي لهم بولادتهم إيّاهم ، فيحلّ لهم ما يحلّ لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك ، ثمّ ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن ، حتّى قالوا : لا ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ، (١) ولا يسلئوا (٢) السّمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيتا من شعر ، ولا يستظلّوا إن استظلّوا إلّا في بيوت الأدم ما كانوا حراما ، ثمّ رفعوا في ذلك فقالوا : لا ينبغي لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحلّ في الحرم إذا جاؤوا حجّاجا أو عمّارا ، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أوّل طوافهم إلّا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة. فحملوا على ذلك العرب فدانت به ، وأخذوا بما شرعوا لهم من ذلك ، فكانوا على ذلك حتّى بعث الله محمّدا صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأنزل الله حين أحكم له دينه وشرع له حجّته : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يعني قريشا. والناس : العرب. فرفعهم في سنّة الحجّ إلى عرفات ، والوقوف عليها ، والإفاضة منها ؛ فوضع الله أمر الحمس ، وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإسلام حين بعث الله رسوله (٣).
[٢ / ٥٥٧٤] وقال مقاتل بن سليمان في قوله : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) وذلك الحمس ؛ قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وعامر بن صعصعة كانوا يبيتون بالمشعر الحرام ، ولا يخرجون من الحرم خشية أن يقتلوا وكانوا لا يقفون بعرفات. فأنزل الله ـ عزوجل ـ فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات فقال لهم : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) يعني ربيعة ، واليمن كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس ، ويفيضون من جمع إذا طلعت الشمس فخالفهم النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في الإفاضة بهم (٤).
[٢ / ٥٥٧٥] وروى العيّاشيّ عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : سألته عن قول الله : (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ)؟ قال : «أولئك قريش كانوا يقولون : نحن أولى الناس بالبيت ، ولا يفيضون
__________________
(١) الأقط : الجبن.
(٢) سلأ السّمن : صفّاه.
(٣) الطبري ٢ : ٤٠٠ ـ ٤٠١ / ٣٠٥٣.
(٤) تفسير مقاتل ١ : ١٧٥.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
