يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً). ولهذا قال تعالى في هذه الآية : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي لتكون همّتكم منبعثة على قتالهم ، كما همّتهم منبعثة على قتالكم وعلى إخراجهم من بلادهم الّتي أخرجوكم منها ، قصاصا (١).
وقال سيّدنا العلّامة الطباطبائي : سياق الآيات الخمس (١٩٠ ـ ١٩٤) يدلّ على أنّها نزلت جميعا ، وقد سيق الكلام فيها لبيان غرض واحد ، وهو : تشريع القتال لأوّل مرّة مع مشركي قريش ، حيث فيها التعرّض لإخراجهم حيث أخرجوا المؤمنين ، وللفتنة ، وللقصاص ، والنهي عن مقاتلتهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوا عنده. وكلّ ذلك يرتبط بشأن مشركي قريش.
كما أنّ فيها تعرّضا لأحكام الجهاد : فقوله : (فِي سَبِيلِ اللهِ) بيان للهدف الأصل من الجهاد. وقوله : (لا تَعْتَدُوا) تحديد له من حيث الانتظام. وقوله : (وَاقْتُلُوهُمْ) تحديد من حيث التشديد. وقوله : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) تحديد من حيث المكان. وقوله : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) تحديد من حيث الأمد. وقوله : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) ، بيان أنّه من الأخذ بالمثل. وهكذا.
قال : فيقرب في النظر أن يكون نزول مجموع الآيات الخمس لشأن واحد ، من غير أن يكون بعضها نسخ بعضا ، كما احتمله البعض. ولا أن تكون نازلة في شؤون شتّى ، كما ذكره آخرون (٢).
***
[٢ / ٥٣١٢] وروى الشيخ بالإسناد إلى محمّد بن سنان عن العلاء بن فضيل ، قال : سألته عن المشركين ، أيبتدئهم المسلمون بالقتال في الشهر الحرام؟ فقال : إذا كان المشركون يبتدئونهم باستحلاله ، ثمّ رأى المسلمون أنّهم يظهرون عليهم فيه ، وذلك قوله تعالى : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ).
قال : والروم ـ في ذلك ـ بمنزلة المشركين ، لأنّهم لا يعرفون للشهر الحرام حرمة ولا حقّا ، فهم يبتدئون بالقتال فيه. وكان المشركون يرون له حقّا وحرمة فاستحلّوه فاستحلّ منهم. وأهل البغي يبتدأون بالقتال (٣).
__________________
(١) ابن كثير ١ : ٢٣٣.
(٢) الميزان ٢ : ٦٠ ـ ٦١.
(٣) التهذيب ٦ : ١٤٢ / ٢٤٣.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
