قوله : (مِمَّا خَلَقْنا) يجوز أن يتعلق «من» ب «نسقيه» ، وهي لابتداء الغاية ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أنعاما» (١) ، ونكرت الأنعام والأناسي ، (قال الزمخشري) (٢) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية (٣) والأنهار ، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل (٤) الله من رحمته وسقيا (سمائه (٥)) (٦).
قوله : (وَأَناسِيَّ) فيه وجهان :
أحدهما : وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان ، والأصل إنسان ، وأناسين ، فأبدلت النون ياء ، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي (٧).
والثاني : وهو قول الفراء (٨) والمبرد (٩) والزجاج (١٠) أنه جمع إنسي. وفيه نظر ، لأن فعالي إنما يكون جمعا لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي ، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي (١١) ، ويبعد أن يقال : إن الياء في
__________________
(١) انظر التبيان ٢ / ٩٨٧.
(٢) ما بين القوسين سقط من ب.
(٣) في الكشاف : وجلهم فينحون بالقرب من الأودية.
(٤) في ب : ما وينزل.
(٥) الكشاف ٣ / ١٠٠.
(٦) ما بين القوسين في ب : سما.
(٧) قال سيبويه : (وقالوا : أناسية لجمع إنسان) الكتاب ٣ / ٦٢١ ، وقال السيرافي موجها كلام سيبويه : (في هذا الجمع وجهان : أحدهما : أن يجعلوا الهاء عوضا من إحدى ياءي أناسي. وتكون الياء الأولى منقلبة من الألف التي بعد السين ، والثانية من النون. والثاني أن تحذف الألف والنون في إنسان تقديرا ، ويؤتى بالياء التي تكون في تصغيره ، إذا قالوا : أنيسيان ، وكأنهم في الجمع الياء التي يريدونها في التصغير فيصير أناسيّ ، ويدخلون الهاء لتحقيق التأنيث) هامش الكتاب ٣ / ٦٢١.
والفراء جوز هذا الوجه. انظر معاني القرآن ٢ / ٢٩٩ ، ونسب ابن الأنباري هذا الوجه إلى الفراء وضعّفه بقوله : (لأنه لو كان ذلك قياسا لكان يقال في جمع سرحان سراحي ، وذلك لا يجوز) البيان ٢ / ٢٠٦.
ووزن إنسان على مذهب البصريين (فعلان) لأنه مأخوذ من الإنس وعلى مذهب الكوفيين (إفعان) ، لأن أصل إنسان : إنسيان من النسيان وحذف منه الياء لكثرة الاستعمال. الإنصاف ٢ / ٨٠٩ ـ ٨١٢.
(٨) جوز الفراء الوجهين ، قال : (وقوله : «وَأَناسِيَّ كَثِيراً» واحدهم إنسيّ وإن شئت جعلته إنسانا ثم جمعته أناسي فتكون الياء عوضا من النون) معاني القرآن ٢ / ٢٦٩.
(٩) قال المبرد : أناسية جمع إنسية ، والهاء عوض من الياء المحذوفة ، لأنه كان يجب أناسين بوزن زناديق وفرازين ، وأن الهاء في زنادقة وفرازنة إنما هي بدل من الياء ، وأنها لما حذفت للتخفيف عوضت منها الهاء. اللسان (أنس).
(١٠) جوز الزجاج الوجهين قال : (وقوله : «وَأَناسِيَّ كَثِيراً» أناسي جمع إنسيّ مثل كرسي وكراسي ، ويجوز أن يكون جمع إنسان وتكون الياء بدلا من النون ، الأصل أناسين بالنون مثل سراحين) معاني القرآن وإعرابه ٤ / ٧١.
(١١) فعاليّ من أمثلة جميع الكثرة ، وهو يطرد في كل اسم ثلاثي ساكن العين مزيد آخره ياء مشددة لغير تحديد نسب نحو كرسيّ وكراسي ، وكركيّ وكراكي ف (أناسي) جمع إنسان لا إنسيّ ، وأصله أناسين ـ
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٤ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3113_allubab-fi-ulum-alkitab-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
