والضمير في «به» (١) يجوز أن يعود على البرد وهو الظاهر ، ويجوز أن يعود على الودق والبرد معا جريا بالضمير مجرى اسم الإشارة ، كأنه قيل : فيصيب بذلك (٢) ، وقد تقدم نظيره.
فصل
قال ابن عباس : أخبر الله أن في السماء جبالا من برد ، ثم ينزل منها ما شاء وهو قول أكثر المفسرين. وقيل : المراد بالسماء هو الغيم المرتفع ، سمي بذلك لسموه وارتفاعه ، وأنه تعالى أنزل من الغيم الذي هو سماء البرد. وأراد بقوله : «من جبال» : السحاب العظام ، لأنها إذا عظمت شبهت بالجبال ، كما يقال : فلان يملك جبالا من مال ، ووصف بذلك توسعا.
وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله في السحاب ، ثم أنزل إلى الأرض. وقال بعضهم : إنما سمي ذلك الغيم جبالا لأنه سبحانه خلقها من البرد ، وكل جسم متحجر فهو من الجبال ، ومنه قوله تعالى : (خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ)(٣). قال المفسرون : والأول أولى ، لأنّ السماء اسم لهذا الجسم المخصوص ، فتسمية السحاب سماء (٤) بالاشتقاق مجاز ، وكما يصح أن يجعل الماء في السحاب ثم ينزله بردا ، فقد يصح في القدرة جعل هذين الأمرين في السماء ، فلا وجه لترك الظاهر (٥).
قوله : (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ) أي : بالبرد من يشاء فيهلك زرعه وأمواله (وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ) أي : يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقطه عليه (٦).
قوله : (يَكادُ سَنا بَرْقِهِ). العامة على قصر (٧) «سنا» وهو الضوء ، وهو من ذوات الواو ، يقال : سنا يسنو سنا ، أي أيضاء يضيء (٨) ، قال امرؤ القيس :
٣٨٤٢ ـ يضيء سناه أو مصابيح راهب (٩)
__________________
(١) في ب : أنه. وهو تحريف.
(٢) انظر البحر المحيط ٦ / ٤٦٥.
(٣) من قوله تعالى : «وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ» [الشعراء : ١٨٤].
(٤) في ب : السماء سحابا.
(٥) انظر هذا الفصل في الفخر الرازي ٢٤ / ١٤ ـ ١٥.
(٦) انظر الفخر الرازي ٢٤ / ١٥.
(٧) في ب : قصد. وهو تحريف.
(٨) يضيء : سقط من ب.
(٩) صدر بيت من بحر الطويل ، قاله امرؤ القيس ، وهو من معلقته المشهورة ، وعجزه :
أهان السّليط في الذّبال المفيّل
وهو في ديوانه : (٢٤) ، شرح المعلقات السبع للزوزني (٥٥) والسبع الطوال لابن الأنباري (١٠٠) والبحر المحيط ٦ / ٤٤٤ ، شرح شواهد الشافية ٤ / ٣٩ ـ ٤٠. السنا : مقصور ، ومعناه الضوء ، وهو موطن الشاهد هنا. والضمير في (سناه) يعود على البرق في البيت السابق ، وهو قوله :
|
أحار ترى برقا كأنّ وميضه |
|
كلمع اليدين في حبيّ مكلّل |
السليط : الزيت. الذّبال جمع ذبالة ، وهي الفتيلة.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٤ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3113_allubab-fi-ulum-alkitab-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
