قال تعالى : (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ)(١) ، وقد يطابق ، ومنه هذه الآية وأما إفراد «مثلنا» ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير ، ولا يؤنث أصلا ، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله : (مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)(٢) وجمعا كقوله : (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)(٣)(٤).
وقيل : أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية (٥). وقيل : اكتفي بالواحد عن الاثنين (٦). (وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ)(٧) جملة حالية.
فصل
«فقالوا» يعني لفرعون وقومه (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا) يعنون موسى وهارون (وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) مطيعون متذللون (٨). قال أبو عبيدة : والعرب تسمي كل من دان لملك (٩) عابدا له (١٠) ويحتمل أن يقال (١١) : إنه كان يدعي الإلهية ، وإن طاعة الناس له عبادة ، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب ، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جرم رتّبه عليه بفاء التعقيب ، فقال : (فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) أي : بالغرق (أي : فيمن حكم عليهم بالغرق) (١٢) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب ، (إنما حصل عقيب التكذيب) (١٢) حكم الله ـ تعالى ـ عليهم بالغرق في الوقت اللائق (١٣) به.
قوله : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) قيل : أراد قوم موسى ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولذلك أعاد الضمير من قوله : «لعلّهم» عليهم (١٤).
وفيه نظر ، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى ، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري : لا يجوز أن يرجع الضمير في «لعلّهم» إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون ، بدليل قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ) (١٥)(١٦).
__________________
(١) من قوله تعالى : «قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» [يس : ١٥].
(٢) من قوله تعالى : «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ» [آل عمران : ١٣].
(٣) من قوله تعالى : «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» [محمد : ٣٨].
(٤) انظر التبيان ٢ / ٩٥٦.
(٥) المرجع السابق.
(٦) المرجع السابق.
(٧) في ب : عابدين. وهو تحريف.
(٨) انظر البغوي ٦ / ٢٠.
(٩) في ب : الملك.
(١٠) مجاز القرآن ٢ / ٥٩.
(١١) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣ / ١٠٢.
(١٢) ما بين القوسين سقط من ب.
(١٣) آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢٣ / ١٠٣.
(١٤) انظر البحر المحيط ٦ / ٤٠٧.
(١٥) [القصص : ٤٣].
(١٦) الكشاف ٣ / ٤٩.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٤ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3113_allubab-fi-ulum-alkitab-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
