فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قذفك ، وثبت لك حدّ القذف عليه ، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلم ، يجب عليه إعلامه ، ولهذا بعث النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أنيسا ليخبرها أن فلانا قذفها بابنه ، ولم يبعثه ليتفحص عن زناها وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه يسأله عن ذلك(١).
قوله : (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً).
قال أكثر الصحابة والتابعين : إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح (٢) : لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب (٣). وأدلة المذهبين مذكورة في كتب الفقه ، وهاهنا مبنية على أن الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجمل المتقدمة (٤)؟ فلذلك اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء : فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف ، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته ، سواء تاب بعد إقامة الحد أو قبله لقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا).
وقالوا : الاستثناء راجع إلى الشهادة وإلى الفسق ، فبعد التوبة تقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق ، يروى ذلك عن عمر وابن عباس ، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار (٥) والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري ، وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أن شهادة (٦) المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب ، وقالوا : الاستثناء يرجع إلى قوله: (وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) وهو قول النخعي وشريح (٧) وأصحاب الرأي.
وقالوا : بنفس القذف ترد شهادته ما لم يحد.
قال الشافعي : هو قبل أن يحد شر منه حين يحد ، لأن الحدود كفارات ، فكيف تردون شهادته في أحسن حالته وتقبلونها في شر حالته.
وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة.
__________________
(١) المرجع السابق.
(٢) هو الحسن بن صالح أبو محمد الواسطي ، عرض على مردويه أبي عبد الرحمن الجمال ، وعلى أبي عون صاحب قالون ، روى القراءة عنه عبد الله بن الحسين. طبقات القراء ١ / ٢١٦.
(٣) انظر الفخر الرازي ٢٣ / ١٦١.
(٤) تقدم قريبا قبل صفحات.
(٥) هو سليمان بن يسار أبو أيوب الهلالي المدني مولى ميمونة أم المؤمنين ، وهو أخو عطاء وعبد الملك وعبد الله تابعي جليل ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن. مات سنة ١٠٧ ه. طبقات القراء ١ / ٣١٨.
(٦) في الأصل : الشهادة.
(٧) هو شريح بن الحارث الكندي. كان يكنى أبا أمية استقضاه عمر ـ رضي الله عنه ـ على الكوفة. ولم يزل بعد ذلك قاضيا خمسا وسبعين سنة ولذا يعرف بالقاضي. مات سنة ٨٠ ه. المعارف ٤٣٣ ـ ٤٣٤.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٤ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3113_allubab-fi-ulum-alkitab-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
