وأجيب بأن هذا يقلّ فيها ، فاقتصر على الأناسيّ للغلبة.
وإذا أطلقت على ما لا يعقل ؛ فإما لأنه عومل معاملة من يعقل ، وإما لاختلاطه [به] (١).
فمن الأول قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) (النحل : ١٧) ، والذي لا يخلق المراد به الأصنام ؛ لأن الخطاب مع العرب لكنه لمّا عوملت بالعبادة عبر عنها ب «من» ، بالنسبة إلى اعتقاد المخاطب. ويجوز [٣١٨ / ب] أن يكون المراد ب «من» لا يخلق العموم الشامل لكل ما عبد من دون الله من العاقلين وغيرهم ، فيكون مجيء «من» هنا للتغليب الذي اقتضاه الاختلاط في قوله تعالى : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ...) (النور : ٤٥) الآية ، فعبّر بها عمّن يمشي على بطنه ، وهم الحيات ، وعمّن يمشي على أربع وهم البهائم ، لاختلاطها مع من يعقل في صدر الآية ؛ لأن عموم الآية يشمل العقلاء وغيرهم ، فغلّب على الجميع حكم العاقل.
(فائدة) قيل : إنما كانت (٢) «من» لمن يعقل و «ما» لما لا يعقل ؛ لأن مواضع «ما» في الكلام أكثر من مواضع «من» ، وما لا يعقل أكثر ممن يعقل ، فأعطوا ما كثرت مواضعه للكثير ، وأعطوا ما قلّت مواضعه للقليل ، وهو من يعقل ، للمشاكلة والمجانسة.
(تنبيه) ذكر الأبياري (٣) في شرح «البرهان» أن اختصاص «من» بالعاقل و «ما» بغيره مخصوص بالموصولتين ، أما الشرطيتين (٤) فليست من هذا القبيل ؛ لأن الشرط يستدعي الفعل ولا يدخل على الأسماء.
(تنبيه) وقد سبق في قاعدة مراعاة اللفظ والمعنى بيان حكم «من» في ذلك ، وقوله تعالى : (إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) (البقرة : ١١١) ، فجعل اسم «كان» مفردا حملا على
__________________
(١) ساقطة من المخطوطة.
(٢) في المطبوعة (كان).
(٣) هو علي بن إسماعيل بن علي شمس الدين الأبياري ، كان من العلماء الأعلام وأئمة الإسلام ، بارعا في علوم شتى كالفقه وأصوله وعلم الكلام ، وانتفع به جماعة وله تصانيف منها «شرح البرهان» لأبي المعالي الجويني وله «سفينة النجاة» على طريقة «الإحياء» وغيرها ت ٦١٦ ه ـ (ابن فرحون ، الديباج المذهب : ٢١٣).
(٤) في المطبوعة (الشرطية).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
