ويدلّ على ما ذكرنا أنه لو كان الضمير عائدا على أشياء مذكورة لتعدّى إليها ب «عن» لا بنفسه ، ولكنه مفعول مطلق لا مفعول به.
وقوله تعالى : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج : ٧٨) ، يتبادر إلى الذهن أن الضمير (١) في [قوله] (٢) : (هُوَ) عائد لإبراهيم عليهالسلام ، لأنه أقرب المذكورين ، وهو مشكل لا يستقيم ، لأن الضمير في قوله : (وَفِي هذا) ، راجع للقرآن ، وهو لم يكن في زمن إبراهيم ، ولا هو قاله. والصواب أن الضمير راجع إلى الله سبحانه ، يعني (سَمَّاكُمُ [الْمُسْلِمِينَ] (٣) مِنْ قَبْلُ ) (الحج : ٧٨) ، [يعني] (٣) في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم ، وفي هذا الكتاب الذي أنزل عليكم ، وهو القرآن.
والمعنى : جاهدوا في الله حقّ جهاده ، هو اجتباكم ، وهو سماكم المسلمين من قبل ، وفي هذا الكتاب لتكونوا ، أي سماكم وجعلكم مسلمين لتشهدوا على الناس يوم القيامة.
وقوله : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) (الحج : ٧٨) ، منصوب بتقدير «اتّبعوا» ، لأنّ هذا الناصب نصبه قوله : (جاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ) (الحج : ٧٨) ، لأنّ الجهاد من ملة إبراهيم. ٤ / ٣٤
وفي سورة يس موضعان ، توهّم فيهما كثير من الناس :
أحدهما قوله : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ) (يس : ٣٧) ، فقد يتوهّم أنّ الضمير في «هم» راجع إلى الليل والنهار ، بناء على أن أقلّ الجمع اثنان ، وهو فاسد لوجهين : أحدهما أنّ النهار ليس مظلما ، والثاني أنّ كون أقلّ الجمع اثنان مذهب مرجوح ، إنما الضمير راجع إلى الكفار الذين يحتج عليهم بالآيات ، و (مُظْلِمُونَ) : داخلو الظلام ، كقولك : «[قوم] (٢) مصبحون» و «ممسون» إذا دخلوا في هذه الأشياء.
والثاني قوله [تعالى] : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (يس : ٨١) ، يظنّ بعضهم أن معناه مثل السموات والأرض ، وهو فاسد لوجهين : أحدهما أنهم ما أنكروا إعادة السموات والأرض حتى يدلّ على إنكارهم (٤) إعادتهما بابتدائهما ؛ وإنما
__________________
(١) في المخطوطة (يتبادر الذهن إلى أن الضمير).
(٢) ليست في المطبوعة.
(٣) ليست في المخطوطة.
(٤) في المخطوطة (إنكاره).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
