آخر فطريّ هو الدفاع عن حقوق الإنسان في شتّى ميادينها. (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(١). (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)(٢).
والفطرة تقضي بأنّ التوحيد هو الأساس الّذي يجب ابتناء القوانين الفرديّة والاجتماعيّة عليه ، وأنّ الدفاع عن هذا الأصل إنّما هو بفسح المجال لنشره وبثّه بين الناس ، والدفاع عنه حقّ مشروع للإنسانيّة يجب استيفاؤه بأيّ وسيلة ممكنة ، وبشرط مراعاة طريقة الاعتدال والاحتراز عن الاعتداء.
وكما أنّ الفطرة والجبلّة الإنسانيّة وهبته حقّ التصرّف في الوجود ، وأفسحت له المجال في الانتفاع بمواهب الطبيعة حيث يشاء ، وبلا مانع ولا رادع ، سوى مراعاة طريقة الاعتدال ، كذلك أعطته حقّ الدفاع عن حقوقه المشروعة بحسب فطرته وطبيعة ذاته. حيث الدار دار تنازع وتزاحم في البقاء ، وكلّ يرى الحفاظ على حقوقه والدفاع عنها بشتّى أنواع الوسائل الممكنة المستقيمة. فكلّ قتال ومنابذة ، هو في الحقيقة دفاع حرّ عن الكيان الّذي يفرضه الإنسان لنفسه ، إن حقّا أو باطلا. إلّا من هداه الله إلى طريق الحقّ الصراح. الأمر الّذي أكّد عليه القرآن وأوضح الطريق إليه (٣).
***
والآيات هذه من سورة البقرة تواجه وضع الجماعة المسلمة في المدينة مع مشركي قريش ، الّذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وآذوهم في دينهم وحاولوا الفتنة في عقيدتهم. وهي ـ مع هذا ـ تمثّل قاعدة أحكام الجهاد في الإسلام :
تبدأ الآيات بأمر المسلمين بقتال من لا يزالون يقاتلونهم ، ثمّ بقتال من سوف يقاتلهم في أيّ وقت وفي أيّ مكان (٤) ، ولكن دون الاعتداء!
وفي بداية آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف الجهاد ، والراية الّتي تخاض المعركة تحتها في وضوح وجلاء :
(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) ؛ إنّه القتال لله محضا ، دون غيره من أهداف عرفتها
__________________
(١) الحجّ ٢٢ : ٤٠.
(٢) البقرة ٢ : ٢٥١.
(٣) الميزان ٢ : ٦٥ ـ ٧٢. باختزال وتلخيص.
(٤) أي ليس ابتدائيّا على أيّ حال.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
