وينشأ من هذه الحقوق الذاتيّة لبني الإنسان واجب آخر على الجماعة المسلمة ؛ وهو أن تحطّم كلّ قوّة تعترض طريق الدعوة وإبلاغها للناس في حرّيّة ، أو تهدّد حرّيّة اعتناق العقيدة وتفتن الناس عنها ، وأن تظلّ تجاهد حتّى تصبح الفتنة للمؤمنين غير ممكنة ، وأنّ القوّة لله ، ويكون الدين هو الظاهر الغالب المسيطر.
لكن لا بمعنى إكراه الناس على الإيمان ، بل بمعنى استعلاء دين الله في الأرض ، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدخول ، ولا يخاف قوّة في الأرض تصدّه عن دين الله أن يبلغه ، وأن يستجيب له ، وأن يديم عليه. وبحيث لا يكون في الأرض وضع أو نظام ، يحجب نور الله وهداه عن أهله ، ويضلّهم عن سبيل الله ، بأيّة وسيلة وبأيّة أداة.
قال سيّد قطب : وفي حدود هذه المبادىء العامّة كان الجهاد في الإسلام. وكان لهذه الأهداف العليا وحدها ، غير ملتبسة بأيّ هدف آخر ، ولا بأيّ شارة أخرى!
إنّه الجهاد للعقيدة ، لحمايتها من الحصار ، وحمايتها من الفتنة ، وحماية منهجها وشريعتها في الحياة ، وإقرار رايتها في الأرض ، بحيث يرهبها من يهمّ بالاعتداء عليها قبل الاعتداء (١) ، وبحيث يلجأ إليها كلّ راغب فيها ، لا يخشى قوّة أخرى في الأرض تتعرّض له أو تمنعه أو تفتنه.
وهذا هو الجهاد الوحيد الّذي يأمر به الإسلام ، ويقرّه ويثيب عليه ، ويعتبر الّذين يقتلون فيه شهداء ، والّذين يحتملون أعباءه أولياء (٢).
***
ولسيّدنا العلّامة الطباطبائي بيان لطيف عن الجهاد في الإسلام ، وأنّه الدفاع عن حقوق الإنسان الأوّليّة الفطريّة. حيث الإسلام دين التوحيد ودين الفطرة ، ومن ثمّ فإنّه القيّم الكافل لإصلاح الإنسانيّة في جميع ساحات حياتها : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٣).
فإقامة الدين والحفاظ عليه من أهمّ حقوق الإنسان المشروعة. وينشأ من هذا الحقّ ، حقّ
__________________
(١) (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال ٨ : ٦٠).
(٢) في ظلال القرآن ، ١ : ٢٦٧ ـ ٢٦٨.
(٣) الروم ٣٠ : ٣٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
