وكذا قوله : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ)(١) فقد كانت الطيّبات محلّلة منذ يومها الأوّل. وهذا ليس إلّا لبيان أنّ الشرع إنّما يحلّل الطيّبات ويحرّم الخبائث. وفقا للفطرة والعقل السليم ، (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ)(٢). أي يبيّن لهم أنّ هذا حلال في ذاته وذاك حرام. والذاتي قديم في أصله ، ونظير هذا كثير في القرآن من غير أن تكون لها ولا إشارة إلى سابق حكم كان يضادّه.
نعم ، قد يأتي مثل هذا التعبير عند زعم الخلاف ، دفعا لتوهّم الحظر ، حسب مصطلحهم. ولعلّ منه قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) حيث العموم في الآية قبلها : (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ومن ثمّ جاء التفصيل هنا : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) ، وهذا التفصيل تبيين لذلك الإجمال في ظاهر العموم.
وهنا وفي مجال الصوم لعلّهم توهّموا الحظر ، فأخذوا بالاحتياط في الأمر. فجاءهم التنبيه على الترخيص ، وأن لا تكليف شاقّا في شريعة الإسلام.
***
وربما يشهد لصحّة هذا التأويل ، التعبير الوارد في الروايات : أنّ جماعة من المسلمين كانوا امتنعوا من الرفث والمآكل ليلا ولم يرد أنّهم كانوا منعوا من ذلك ثمّ أبيح لهم!؟
[٢ / ٥١٧٨] أخرج وكيع وعبد بن حميد والبخاري وأبو داوود والترمذي والنحّاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال : كان أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتّى يمسي ، وإنّ قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ، فكان يومه ذاك يعمل في أرضه ، فلمّا حضر الإفطار أتى امرأته فقال : هل عندك طعام؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، فغلبته عينه فنام ، ولمّا جاءت امرأته ورأته نائما قالت : خيبة لك أنمت! فلمّا انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنزلت هذه الآية : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ) إلى قوله : (مِنَ الْفَجْرِ) ففرحوا بها فرحا شديدا (٣).
__________________
(١) المائدة ٥ : ٥.
(٢) الأعراف ٧ : ١٥٧.
(٣) الدرّ ١ : ٤٧٥ ؛ البخاري ٢ : ٢٣٠ ـ ٢٣١ ؛ أبو داوود ١ : ٥١٩ / ٢٣١٤ ، باب ١ ؛ الترمذي ٤ : ٢٧٨ ـ ٢٧٩ / ٤٠٤٨ ؛
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
