قال : وذكر ابن العربي في «العارضة» عن ابن القاسم عن مالك : كان في أوّل الإسلام ، من رقد قبل أن يطعم ، لم يطعم من اللّيل شيئا ، فأنزل الله : (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) ، فأكلوا بعد ذلك (١). فقوله تعالى : (عَلِمَ اللهُ) دليل على أنّ القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان ؛ إذ علم الله ما ضيّق به بعض المسلمين على أنفسهم ، وأوحى به إلى رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم! وهذا يشير إلى أنّ المسلمين كانوا لم يفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. ولذلك لا نجد في روايات البخاري والنسائي أنّ الناس ذكروا ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا في حديث قيس بن صرمة عند أبي داوود (٢). ولعلّه من زيادات الراوي!
قال : فأمّا أن يكون ذلك قد شرع ثمّ نسخ ، فلا أحسبه ؛ إذ ليس من شأن الدين الّذي شرع الصوم أوّل مرّة يوما في السنة (٣) ، ثمّ درّجه فشرع الصوم شهرا على التخيير بينه وبين الإطعام تخفيفا على المسلمين أن يفرضه بعد ذلك ليلا ونهارا ، فلا يبيح الفطر إلّا ساعات قليلة من اللّيل! (٤)
***
قد يقال : إنّ هذا التأويل يخالف ظاهر التعبير ، حيث قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ). وهو ظاهر في أنّه كان محرّما ثمّ أحلّ تسهيلا على الأمّة.
قال سيّدنا العلّامة الطباطبائي رحمهالله : لو لا حرمة سابقة ، كان حقّ الكلام أن يقال : فلا جناح عليكم أن تباشروهنّ. أو ما يؤدّي هذا المعنى.
وكذا قوله تعالى : (كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ) ظاهر في تشديد سابق ، ثمّ خفّف عنهم.
قال رحمهالله : هذه التعابير وإن لم تكن صريحة في النسخ ، غير أنّ لها كمال الظهور في ذلك. إذ لو كان الجواز مستمرّا قبل نزول الآية وبعدها على سواء ، لم يكن لهذا التعبير وجه معقول (٥).
قلت : التعبير بأحلّ لا يشعر بسابق تحريم ، على ما تعارفه القرآن في التعبير بهذا اللفظ. فقوله تعالى : (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ)(٦) لا يدلّ على سابق تحريم.
__________________
(١) انظر : الدرّ ١ : ٤٧٨. والطبري ٢ : ٢٢٧ ـ ٢٢٨ / ٢٤٢١.
(٢) أبو داوود ١ : ٥١٩ / ٢٣١٤. وفيه : «صرمة بن قيس».
(٣) كما كان في شرائع السلف.
(٤) التحرير والتنوير ٢ : ١٧٨ ـ ١٧٩.
(٥) الميزان ٢ : ٤٤ ـ ٤٥.
(٦) المائدة ٥ : ١.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
