الأكل عند الغروب وعند السحور. (١) وهموا اختصاص جوازه بهذين الوقتين ، فكانوا يتحرّجون ـ فيما حسبوا ـ من الأكل وغيره فيما بين الوقتين ، فجاءت الآية دفعا لهذا التوهّم ، وأنّه جائز طول اللّيل حتّى طلوع الفجر. فلم تكن الآية نسخا لشرعة إسلاميّة ، وإنّما هي دفع لتوهّم الحظر ـ في مصطلحهم ـ وإن شئت فسمّه نسخا لجانب من شريعة الصوم فيما سلف. قال ابن عاشور : وما شرع الصوم إلّا إمساكا في النهار دون الليل ، فلا أحسب أنّ الآية إنشاء للإباحة ، ولكنّها إخبار عن الإباحة المتقرّرة في أصل توقيت الصيام بالنهار. والمقصود منها إبطال ما توهّمه بعض المسلمين ، وهو أنّ الأكل في اللّيل لا يتجاوز وقتين : الإفطار والسحور ، وجعلوا وقت الإفطار هو ما بين المغرب إلى العشاء ، لأنّهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء ، فإذا صلّوها لم يأكلوا إلّا أكلة السحور. وهكذا شأن مباشرة النساء واعتادوا جعل النوم بعد العشاء مبدأ وقت الإمساك الليلي ، فحسبوا أنّ النوم إذا حصل في غير إبانه المعتاد ، يكون أيضا مانعا من الأكل والجماع ، إلى وقت السحور ، وأنّ وقت السحور لا يباح فيه إلّا الأكل دون الجماع ؛ إذ كانوا يتأثّمون من الإصباح في رمضان على جنابة.
قال : وقد جاء في صحيح مسلم : أنّ أبا هريرة كان يرى ذلك (٢) ، يعني بعد وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. لعلّ هذا قد سرى إليهم من أهل الكتاب ، كما يقتضيه ما رواه محمّد بن جرير من طريق السّدّي (٣). ولعلّهم التزموا ذلك ولم يسألوا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولعلّ ذلك لم يتجاوز بعض شهر رمضان من السّنة الّتي شرع لهم فيها الصيام ، فحدثت هذه الحوادث المختلفة المتقاربة!
__________________
(١) كان الصوم والإمساك عن المآكل وسائر المشتهيات عند أهل الكتاب ذريعة لديه تعالى عند عروض النائبة ، وكانوا يواصلون الإمساك من غروب الشمس حتّى غروبها في اليوم التالي. (قاموس الكتاب المقدّس ـ جيمس هاكس : ٤٢٨). وهكذا روي عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر». رواه أحمد (٤ : ١٩٧) والترمذي (٢ : ١٠٦ / ٧٠٣ ، باب ١٧) ومسلم (٣ : ١٣٠ ـ ١٣١) وأبو داوود (١ : ٥٢٦ / ٢٣٤٣ ، باب ١٤) والدارمي (٢ : ٦) والنسائي (٢ : ٨٠ / ٢٤٧٦) وابن أبي شيبه في المصنّف (٢ : ٤٢٦ / ٣. باب ٦) وكنز العمّال (٨ : ٥٢٧ / ٢٣٩٨٦) والقرطبي (٢ : ٣٢٩) وابن كثير (١ : ٢٢١ ، ط : البابي).
(٢) مسلم ٣ : ١٣٧ ، وفيه عن أبي هريرة أنّه يقول : «من أدركه الفجر جنبا فلا يصم».
(٣) الطبري ٢ : ٢٢٧ / ٢٤٢٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
