وكذا قوله تعالى : (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ)(١).
قالوا : وهل لا يكون ذلك إغراء بارتكاب محرّمات وقبائح نهى الله عنها ، فما موقع النهي وما فائدة التحريم والتقبيح؟!
قال الشيخ المفيد : «ليس في الذنوب صغيرة في نفسه وإنّما يكون فيها بالإضافة إلى غيره ، وهو مذهب أكثر أهل الإمامة والإرجاء (٢). وبنو نوبخت (٣) يخالفون فيه ويذهبون في خلافه إلى مذهب أهل الوعيد (٤) والاعتزال» (٥).
وقال الشيخ الطوسيّ : «والمعاصي وإن كانت كلّها عندنا كبائر ، من حيث كانت معصية لله تعالى ، فإنّا نقول : إنّ بعضها أكبر من بعض ، ففيها إذن كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه. وقال ابن عبّاس : كلّ ما نهى الله عنه فهو كبير» (٦).
__________________
(١) النجم ٥٣ : ٣١ ـ ٣٢. وسنذكر أنّ الإضافة في الآيتين من قبيل إضافة البيان ، أي الكبائر الّتي هي ما تنهون عنه. والكبائر الّتي هي الإثم والفواحش. وليست من إضافة التبعيض كي يتوهّم أنّ هناك من المناهي والآثام ما هي كبائر وصغائر.
(٢) المرجئة طوائف منتسبة إلى أهل السنّة يقولون : لا تضرّ مع الإيمان معصية ، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. والمؤمن العاصي له رجاء الغفران والثواب تفضّلا. ولا يخرج بارتكاب كبيرة عن الإيمان. وإنّ مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار. وكان أبو حنيفة من أصحاب هذا الرأي. قيل : أوّل من قال بالإرجاء هو الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام. الملل والنحل للشهرستاني ١ : ١٣٩ و ١٤٦ ، الفصل الخامس : المرجئة. وراجع مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ١ : ٢٣١.
(٣) نوبخت من أعاظم المنجّمين الفرس ، اعتنق الإسلام هو وابنه أبو سهل منذ بداية القرن الثاني ، وكان لأبي سهل عشرة أبناء كلّهم أفاضل علماء. وهكذا أحفادهم حتّى القرن الخامس ؛ كانوا من أبرز متكلّمي الشيعة الإماميّة. ولهم تآليف وتراجم قيّمة في مختلف العلوم والفنون ولا سيّما في الكلام والنجوم. (دهخدا ٢ : ١٦٥ ـ ١٦٦ «آل نوبخت»).
(٤) الوعيديّة ـ عدّهم الشهرستاني من الخوارج ـ يقولون بتخليد أصحاب الكبائر في النار ، لأنّ صاحب الكبيرة كافر عندهم. وقد عدّهم المفيد من فرق الاعتزال ، لأنّ هذا هو قول المعتزلة. الملل والنحل ١ : ١١٤ ، الفصل الرابع : الخوارج. (أوائل المقالات : ١٤).
(٥) أوائل المقالات : ٨٣.
(٦) التبيان ٣ : ١٨٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
