والرهبة ، والمسألة والطلب وإبداء الحاجة والافتقار ، اعترافا بمقام ربّه العظيم وسطوته القاهرة ، لينقلع بنفسه عن ارتكاب القبائح واقتراف الذنوب ، استحياء من ربّه وخجلا أن يعود إلى ربّه ناقضا عهده نابذا اعترافه وإقراره على نفسه بالصغار والهوان!
ومن ثمّ قال تعالى : (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)(١). يعني تلك الصلاة الّتي أقيمت بحدودها وشرائطها ، مع الالتفات إلى جوانب فحوى أذكارها وأفعالها ، ذات التأثير العميق في الروح وفي تربية التقوى في النفس!
إذن فالحسنات يذهبن السيّئات ، أي لا يدعن مجالا لارتكابها ، إذا كان المحسن (المصلّي) مخلصا في إحسانه (في صلاته) تجاه ربّ العالمين!
***
٢ ـ وقال تعالى : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً)(٢).
أي الصغائر مغفورة على شريطة اجتناب الكبائر.
٣ ـ وقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٣).
إذا كان المؤمن محافظا على دينه متّقيا ربّه في السرّ والعلن ، جعل الله له نورا يستضيء به درب الحياة ، وبصيرة في قلبه يلمس بها حقيقة الأمور. وهذا بطبعه يجتنب الكبائر من الذنوب ولا يقترفها قطّ ، فتصبح صغائره مغفورة له ، ويدخل على ربّه في كرامة وتبجيل.
٤ ـ وقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أي واظبوا عليها (لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الصغائر (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)(٤). لأنّ مرتكب الآثام والجرائم الكبار لا يطلق عليه عنوان «عامل الصالحات». اللهمّ إلّا إذا عمل سيّئة عفوا ثمّ ندم لفوره وتاب عنها ، حيث لا خلاف في غفران ذنبه.
٥ ـ وقال : (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ
__________________
(١) العنكبوت ٢٩ : ٤٥.
(٢) النساء ٤ : ٣١.
(٣) الأنفال ٨ : ٢٩.
(٤) العنكبوت ٢٩ : ٧.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
