قال الشيخ أبو جعفر الطوسي ـ رحمهالله ـ : وقوله تعالى : (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) قيل فيه وجهان : أحدهما ـ تذهب به على وجه التكفير ، إذا كانت المعصية صغيرة. والآخر ـ أنّ المراد بالحسنات التوبة ، تذهب بالسيّئة أي تسقط عقابها. لأنّه لا خلاف في سقوط العقاب بالتوبة. قال : وقد قيل : إنّ الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيّئات ، فكأنّها ذهبت بها (١).
وهذا الّذي ذكره الشيخ أخيرا يصلح وجها ثالثا لتفسير الآية الكريمة ليصير معنى الآية ـ والله العالم ـ : أنّ المواظبة على الأعمال الصالحة ، والإتيان بالخيرات والرغبة في الحسنات ، لممّا يزيد في التوفيق ويبعث على ترك السيّئات واجتناب الشرور والمفاسد طبعا ، إذ كلّما ازدادت رغبة الإنسان في جهة ازداد بعدا عن جهة أخرى مخالفة لها. والنفس البشريّة سريعة التعوّد على الحالة الّتي أنست بها ، والطريقة الّتي سلكته في الحياة إمّا صلاحا أو فسادا.
فالإنسان الّذي يزاول أعماله في جوّ صالح تراه لا يفكّر إلّا في خير ، ولا يتأتّى منه ارتكاب شرور حسبما ألفه من صلاح. وهكذا العكس ، الّذي يزاول أعماله في جوّ فاسد لا يفكّر إلّا في شرور وآثام. وهي طبيعة ثانويّة للإنسان تحصل على أثر المرونة والإلف.
وعليه فقوله تعالى : (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) يعني : أنّ مرتكب الحسنات المتعوّد عليها ، لتبلغ به عادته تلك الحسنة ، إلى حيث تنمحي عن حياته السيّئات فلا يرتكبها بحسب إلفه وعادته على الصلاح ، فيا لها من عادة حسنة ونعمت!
قلت : وإنّ في الصلاة ـ خصوصها ـ لأثرا تربويّا نفسيّا ليس في سائر العبادات ، إنّها تجسيد لمقام العبوديّة تجاه المعبود العظيم ؛ إنّ العبد إذا وقف بين يدي مولاه في الصلاة ، ليشعر بضآلة موقفه تجاه ربّ العالمين ، يرى من نفسه ذلك المحتاج الفقير العاجز الحقير ، واقفا بين يدي مولاه الغنيّ المقتدر العظيم ، ضارعا إليه خاشعا متواضعا ، سائلا راغبا ، طالبا عنايته ورأفته ورحمته.
ومن أمعن النظر في مقاطع سورة الفاتحة وسائر أفعال الصلاة وأذكارها ليتجلّى له هذا الموقف الخطير وتلك الصلة الوثيقة الّتي تربط العبد المؤمن إلى مولاه الكريم. ومن ثمّ كانت الصلاة معراج المؤمن!
والعبد المؤمن إذا كان يعاهد مولاه كلّ يوم خمس مرّات في تلك الخشية والخضوع ، والرغبة
__________________
(١) التبيان ٦ : ٨٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
