إذن فلا بدّ من تأويل ما ورد في الكتاب والسنّة ما ظاهره عموم التكفير ، إمّا باختصاصه ببعض الذنوب كالصغائر مثلا ، أو بصورة ما إذا حصل من المرتكب ندم على ما فرط منه ، فإذا قام بحسنة كصلاة وصدقة في سبيل الله ، كان ذلك من موجبات قبول توبته وغفران ذنبه ، أمّا وقوع مطلق الحسنات كفّارة لمطلق السيّئات كبيرة وصغيرة ، سواء أندم عليها أم لم يندم ، وسواء أكان بانيا على تركها أم مصرّا على فعلها ، فهذا ممّا لا نستطيع الموافقة عليه ، ما دام مذهبنا يرى العدل والحكمة في أفعاله تعالى!
وإليك من الآيات ما تعرّضت لظاهرة التكفير :
١ ـ قال تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)(١).
وربما تواترت الروايات بشأن الصلوات الخمس ، إذا قام المسلم فتوضّأ فأحسن الوضوء ، ثمّ صلّى الصلوات الخمس ، تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ الورق من الغصن اليابس (٢).
ولنتساءل : هل هذا عامّ يشمل النادم والمصرّ؟ أو الكبائر كلّها؟ فليرتكب أصحاب الجرائم والكبائر ما بدا لهم من ذنوب وآثام ، ولا مبالاة! فإنّ صلاة واحدة من الصلوات الخمس تذهب بالسيّئات كلّها ، فليصلّها ثمّ يعود إلى جرائمه وهكذا يذنب الذنوب العظام ويعقّبها بصلاة لتكون كفّارة عن ذنوبه كلّها ومطهّرة له من الآثام ، حتّى ولو كان بانيا على العود والاقتراف على استمرار!؟
فالصحيح في تفسير الآية أحد وجهين :
الأوّل : اختصاص ذلك بالصغائر الّتي قد ترتكب عفوا ومن غير قصد غالبيّا ، الأمر الّذي نلتزم فيه بالتكفير خاصّا به. فالصغائر (٣) ـ وهي المعبّر عنها باللّمم أي الّتي قد يقع فيها المؤمن ، ثمّ يتذكّر
__________________
(١) هود ١١ : ١١٤.
(٢) انظر : مجمع البيان ٥ : ٣٤٥ ، وتحاتّ الورق من الشجر ـ بتشديد التاء ـ : تناثر وتساقط.
(٣) اختلفوا في تعيين الصغائر وتمييزها عن الكبائر ، فقيل : ما أوعد الله عليه النار أو أوجب عليه حدّا. وقيل : كلّ ما نهى الله فهي كبيرة ، لأنّ كبر الذنب إنّما هو بالقياس إلى عظم شأن المولى. وقيل : ليست في الذنوب صغيرة إلّا بالقياس إلى أكبر منها ، فبعضها أكبر وبعضها أصغر قياسا نسبيّا لا حقيقيّا. انظر : مجمع البيان ٣ : ٧٠. وفي بعض الروايات تعداد الكبائر
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
