الجهاد ، قلت : بيّن لي يرحمك الله.
فقال : إنّ الله عزوجل أخبر في كتابه الدعاء إليه ، ووصف الدعاة إليه فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضا ، ويستدلّ ببعضها على بعض ، فأخبر أنّه تبارك وتعالى أوّل من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتّباع أمره ، فبدأ بنفسه فقال : (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(١) ثمّ ثنّى برسوله فقال : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(٢) يعني القرآن ، ولم يكن داعيا إلى الله عزوجل من خالف أمر الله ويدعو إليه بغير ما أمر في كتابه الّذي أمر أن لا يدعى إلّا به ، وقال في نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(٣) يقول : تدعو ، ثمّ ثلّث بالدعاء إليه بكتابه أيضا فقال تبارك وتعالى : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) أي يدعو (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ)(٤) ثمّ ذكر من أذن له في الدعاء إلى بعده وبعد رسوله في كتابه فقال : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.)(٥)
ثمّ أخبر عن هذه الأمّة وممّن هي وأنّها من ذريّة إبراهيم وذريّة إسماعيل من سكّان الحرم ممّن لم يعبدوا غير الله قطّ الذين وجبت لهم الدعوة ، دعوة إبراهيم وإسماعيل من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ، الّذين وصفناهم قبل هذه في صفة أمّة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم الّذين عناهم الله تبارك وتعالى في قوله : (أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)(٦) يعني أوّل من اتّبعه على الإيمان به والتصديق له بما جاء به من عند الله عزوجل من الامّة الّتي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق ممّن لم يشرك بالله قطّ ، ولم يلبس إيمانه بظلم ، وهو الشّرك.
ثمّ ذكر أتباع نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم وأتباع هذه الامّة التي وصفها في كتابه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وجعلها داعية إليه ، وأذن لها في الدعاء إليه ، فقال : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(٧) ثمّ وصف أتباع نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم من المؤمنين فقال عزوجل : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً)(٨) الآية ، وقال : (يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ
__________________
(١) يونس ١٠ : ٢٥.
(٢) النحل ١٦ : ١٢٥.
(٣) المؤمنون ٢٣ : ٧٣.
(٤) الإسراء ١٧ : ٩.
(٥) آل عمران ٣ : ١٠٤.
(٦) يوسف ١٢ : ١٠٨.
(٧) الأنفال ٨ : ٦٤.
(٨) الفتح ٤٨ : ٢٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
