قال : وتدلّ الآية على أنّ الناس كانوا في عهدهم الأوّل على طريقة الحقّ ـ وفق فطرتهم الأولى ـ ثمّ حصل شقاق واختلاف ، فجاء الأنبياء للفصل بين هذا الاختلاف والقضاء على ذاك التخاصم العارض.
قلت : وكما يدلّ عليه قوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ)(١).
أي ولو شاء ربّك أن يجعل بني الإنسان كسائر الأحياء ، ماضين على وتيرة واحدة ، من غير تطوّر ولا تحوّل في الحياة ، عائشين على ما فطرهم الله عليه من التصرّف المحدود ، المخطّط لهم في جبلّتهم ، كعيشة النحل والنمل وسائر الأحياء غير الإنسان ، لكان الإنسان كغيره ذا محدوديّة في الحياة من غير إبداع أو تحوّل أو تغيير.
ولكن أين ذلك وبروز الاستعدادات والطاقات الكامنة في وجود هذا الكائن ، المتجهّز بأجهزة الرقيّ والكمال. والّذي جاء ليعمر الأرض ويتسخّر كلّ طاقات الوجود ، الأعمّ من السفليّة والعلويّة ، والتطلّع إلى آفاق الفضاء.
ومن كان على هذا الوصف ، فلا بدّ أن يحدث في حياته وفي معايشه مع الآخرين بعض الاختلاف والتنازع والتشاجر في الأخذ والعطاء.
نعم ، سوى من أنعم الله عليه بهدايته على يد أنبيائه العظام ، ولذلك العطف والإشفاق خلقهم ليرحمهم وليمدّهم بيد غيبيّة ويهديهم إلى سبل السّلام.
***
والقول الثاني : أنّ الناس ـ على عهدهم الأوّل ـ كانوا على منهج الفطرة وطريقة العقل السليم ، وكان الاعتراف بوجود الصانع تعالى رائدهم ، والعمل بوظائف العبوديّة ، اداء للشكر الواجب عليهم ، قائدهم. كانوا يجتنبون القبائح ويبتعدون عن الرذائل ، انبعاثا من صميم ذاتهم وسلامة طبعهم ، انبعاثا من داخل الضمير.
قال الإمام الرازي : وهذا هو اختيار أبي مسلم والقاضي : كان الناس أمّة واحدة في التمسّك بالشرائع العقليّة ، وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته ، والاشتغال بخدمته وشكر نعمته ،
__________________
(١) هود ١١ : ١١٨ ـ ١١٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
