بأنفسهم رغبة في النفع العام.
لكن الميزان الّذي يزن به الكافر ، ليس هو الميزان. إنّه ميزان الأرض ، ميزان الكفر والنكران ، ميزان الجاهليّة العمياء. أمّا الميزان الحقّ فهو ميزان العقل الرشيد ، ميزان الله الّذي يزن الأمور وفق واقعها الثمين ، وفي آفاقها الفسيح. وبهذا الميزان جاء توزين القيم عند الله.
ومن ثمّ (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) كان التقوى رائدهم في الحياة (فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فعند ذاك ترفع الستائر وتنكشف الحقائق ، فيعلم للذين آمنوا قيمتهم الحقيقيّة ، فليمضوا في طريقهم ، لا يحفلون سفاهة السفهاء.
(وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) والله يدّخر لهم ما هو خير وما هو أوسع من الرزق ، يهبهم إيّاه حيث يختار ، في الدنيا أو في الآخره أو في الدارين ، وفق ما يرى أنّه خير لهم ، وهو المانح الوهّاب ، يمنح من يشاء ، ويفيض على من يشاء ، لا خازن لعطاياه ولا بوّاب يمنع المتقاضين. وهو قد يعطي الكافر زينة الحياة الدنيا ، لحكمة منه ، وليس له فضل فيما أعطي. وهو يعطي المختارين من عباده ما يشاء دنيا وآخرة ، لا شيء يحدّه أو يحجزه في عطاياه. فالعطاء كلّه من عنده ، واختياره للأخيار هو الأعلى والأبقى ، بلا أمد محدّد وإنّما هو حسبما يراه الله ويختار.
[٢ / ٥٩٠٣] أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) قال : الكفّار يبتغون الدنيا ويطلبونها (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج : لا أحسبه إلّا عن عكرمة قال : قالوا : لو كان محمّد نبيّا لاتّبعه ساداتنا وأشرافنا ، والله ما اتّبعه إلّا أهل الحاجة مثل ابن مسعود وأصحابه (١).
[٢ / ٥٩٠٤] وقال مقاتل بن سليمان : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) وما بسط لهم فيها من الخير ، نزلت في المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) في أمر المعيشة بأنّهم فقراء ، نزلت في عبد الله بن ياسر المخزومي ، وصهيب بن سنان من بني تيم بن مرّة ، وبلال بن رباح مولى أبي بكر وخبّاب بن الأرت مولى ابن أمّ بهار الثقفي حليف بني زهرة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي هريرة الدوسي ، وفي نحوهم من الفقراء. يقول الله ـ عزوجل ـ : (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) الشرك يعني هؤلاء النفر (فَوْقَهُمْ) يعني فوق
__________________
(١) الدرّ ١ : ٥٨١ ؛ الطبري ٢ : ٤٥٤ / ٣٢١٧ ؛ ابن أبي حاتم ٢ : ٣٧٤ ـ ٣٧٥ / ١٩٧٣ ـ ١٩٧٥.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
