منها نماذج ونحيل الطالب إلى مظانّه من كتب التفسير بالمأثور.
قال أبو إسحاق الثعلبي : اختلفوا في تأويل الآية ، ففسّر الإتيان قوم على الإتيان الّذي هو الانتقال من مكان إلى مكان ، وأدخلوا بلا كيف. واستندوا إلى ظواهر أخبار وردت لم يعرفوا وجه تأويلها ، وهذا غير مرضيّ من القول ، لأنّه إثبات المكان لله ـ سبحانه ـ وإذا كان متمكّنا وجب أن يكون محدودا متناهيا ، ومحتاجا وفقيرا ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
[٢ / ٥٨٨٧] وقال بعض المحقّقين الموفّقين ، أظنّه عليّ بن أبي طالب عليهالسلام : «من زعم أنّ الله تعالى من شيء أو في شيء أو على شيء فقد ألحد ، لأنّه لو كان من شيء لكان محدثا ، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان على شيء لكان محمولا» (١).
قال الثعلبي : وسكت قوم عن الخوض في معنى الإتيان ، فقالوا : نؤمن بظاهره ونقف عن تفسيره ؛ لأنّا قد نهينا أن نقول في كتاب الله تعالى ما لا نعلم ، ولم ينبّهنا الله تعالى ولا رسوله على حقيقة معناه :
[٢ / ٥٨٨٨] وقال الكلبي : هذا من العلم المكتوم الّذي لا يفسّر!
[٢ / ٥٨٨٩] وكان مكحول والزّهري ومالك والأوزاعي وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من المشايخ يقولون فيه وفي أمثاله : «أمرّوها كما جاءت بلا كيف».
[٢ / ٥٨٩٠] وقال سفيان بن عيينة : كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره : قراءته والسكوت عنه ، ليس لأحد أن يفسّره إلّا الله تعالى ورسوله.
وزعم قوم أنّ في الآية إضمارا ، أو اختصارا ، تقديرها : إلّا أن يأتيهم أمر الله ، وهو الحساب والعذاب. دلّ عليه قوله : (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي وجب العذاب وفرغ من الحساب.
وقالت طائفة من أهل الحقائق : إنّ الله يحدث فعلا يسمّيه «إتيانا». وكما سمّاه «نزولا» ، وأفعاله بلا آلة ولا علّة.
قال الثعلبي : ويحتمل أن يكون معنى الإتيان ها هنا راجعا إلى الجزاء ، فسمّي الجزاء إتيانا ،
__________________
(١) وبهذا المعنى استفاضت الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام رواها ابن بابويه الصدوق في كتاب التوحيد ، باب نفي المكان : ١٧٨ ـ ١٧٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
