وذكر بعض المفسّرين : أنّ إتيان أمر الله أو عذابه في الغمام ، عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر ، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته ، لأنّ الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم ، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم. كما وقع لعاد قوم هود : (قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ)(١). وهذا مبنيّ على أنّ الغمام مظنّة المطر. وهو السحاب المسفّ (٢) ، لثقله بالمطر.
قال الأستاذ عبده : الحكمة في نزول العذاب في الغمام ، إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به ، ولا توطئة توطّن النفوس على احتماله ، وذلك أبلغ في هوله ، وهو ذلك الغمام الّذي يحدث عن تخريب العالم فجأة ، فيأتيهم العذاب ، قبل أن يتبدّد الغمام الناشئ عن الخراب. وهذا يتّفق مع القول الأوّل ، وأقرب إلى معنى قوله تعالى في الساعة : (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً)(٣).
قال السيّد : ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ، ترغّبه في المبادرة إلى التوبة ، لئلّا يفاجئه وعد الله تعالى وهو غافل ، فإن لم يفاجئه قيام الساعة ، فاجئه قيام قيامته بالموت بغتة.
قال : وإذا جرينا على هذه الطريقة ـ الّتي أرشدتنا إليها الآية الكريمة ـ فحملنا بعض الآيات على بعض ، واستخرجنا المعنى من مجموعها ، كان لنا أن نقول : إذا وقعت الواقعة ، وقرعت القارعة ، وكوّرت الشمس ، وتناثرت الكواكب ، وانشقّت السماء شقّا ، ورجّت الأرض رجّا ، وبسّت الجبال بسّا ، فكانت ـ أوّلا ـ كالعهن المنفوش ، ثمّ صارت هباء منبثّا ... فإنّ مادّة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين ، أي مادّة سديميّة ، وهي ما عبّر عنه في بدء التكوين بالدخان ، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام.
وإنّ كثيرا من علماء الهيأة ليتوقّعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بعض الكواكب ببعض ، بحيث يبطل الجذب العام ، الّذي قام به هذا النظام ، وهو ما ورد من تشقّق السماء بالغمام (٤).
***
وعن السلف هنا روايات قد تتضارب مع بعضها البعض ، ولا ترجع إلى محصّل معروف ، نذكر
__________________
(١) الأحقاف ٤٦ : ٢٤.
(٢) أسفّ السحاب : دنا من الأرض لثقله بحمل المطر.
(٣) الأعراف ٧ : ١٨٧.
(٤) المنار ٢ : ٢٦٢ ـ ٢٦٤.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
