قال الشيخ محمّد عبده : و (يَنْظُرُونَ) في الآية بمعنى ينتظرون ، وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في القرآن ، ولا سيّما في أمور الآخرة ، كقوله تعالى : (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً)(١) وقوله : (ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ)(٢).
وإتيان الله تعالى ، فسّره الجلال وآخرون بإتيان أمره أي عذابه ، كقوله تعالى ـ في آية أخرى ـ : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)(٣). أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.
قال السيّد رشيد رضا : وأقرّ الأستاذ الإمام الجلال على ذلك ، وبيّن في الدرس أنّ هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة ، من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازا ، وأوضحه أتمّ الإيضاح. فهو على حدّ (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)(٤).
قال السيّد : ومن المفسّرين من قال : إنّ الإسناد حقيقيّ ، وإنّما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق ، أي هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب؟
قال : وعدّه آخرون من المتشابهات ، وأنّه تعالى يأتي بذاته ، لكن بلا كيف؟!
قال : وهذا لا يصحّ ، إذ لا يجعل كلّ ما أسند إليه تعالى من المتشابه الّذي لا يفهم بحال ، ولا يفسّر ولو بإجمال. هذا مع العلم بأنّه تعالى إنّما ينذر الّذين زلّوا عن صراطه وفرّقوا دينه ، بأمر معروف لهم في الجملة ، لا بشيء مجهول مطلق!
وممّا يدلّنا على أنّ المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً)(٥) ، مع الآيات الكثيرة الناطقة بأنّ قيام الساعة وخراب العالم يكون (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ)(٦) وانتثرت كواكبها ... وإنّما يأتي بذلك الله تعالى بتغيير هذا النظام الّذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كلّ كوكب في فلكه.
قال : وأما «ظلل الغمام» فهي قطع السحاب وهي جمع ظلّة ـ كغرف وغرفة ـ وهي ما أظلّك. والغمام جمع غمامة ـ كسحاب وسحابة وزنا ومعنى ـ سمّي بذلك لأنّه يغمّ السماء أي يسترها.
__________________
(١) محمّد ٤٧ : ١٨.
(٢) يس ٣٦ : ٤٩.
(٣) النحل ١٦ : ٣٣.
(٤) يوسف ١٢ : ٨٢.
(٥) الفرقان ٢٥ : ٢٥.
(٦) انشقاق ٨٤ : ١.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
