بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)(١). يعني : سرعان ما هدم بنيانهم ودمّره من قواعده ، فخرّ عليهم السقف بعد هدم الأساس.
ومن ثمّ جاء التكرير بلفظ (وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) ، تبيينا لإتيان البنيان من القواعد والسقف.
قال الطبرسي : وقيل : هذا مثل ضربه الله سبحانه لاستئصالهم ، ولا قاعدة ولا سقف هناك والمعنى : فأتى الله مكرهم من أصله ؛ أي عاد ضرر المكر عليهم وبهم. نظير قول العرب : أتي فلان من مأمنه ، أي أتاه الهلاك من جهة مأمنه. قال : وإنّما أسند سبحانه الإتيان إلى نفسه ، من حيث كان تخريب قواعدهم من جهته تعالى (٢).
وفي قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يهود بني النضير (مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ)(٣).
فقوله : (فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي داهمم أمره تعالى وفاجأهم العذاب ، عذاب مفارقة الديار وتحمّل مشاقّ الجلاء عن الأوطان. فقد كان ذلك قد سجّل عليهم لا مناص لهم منه. ومن ثمّ قذف في قلوبهم الرعب فكانوا يعبثون من غير دراية. قال تعالى : (وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) أي هوانه وذلّه (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) بعذاب الاستئصال ، كما فعل ببني قريظة (٤).
قال الراغب : الإتيان ، مجيء بسهولة. ويقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير. ويقال في الخير وفي الشرّ ، وفي الأعيان والأعراض. وقوله تعالى : (أَتى أَمْرُ اللهِ)(٥). وقوله : (فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ)(٦) أي بالأمر والتدبير ، نحو (وَجاءَ رَبُّكَ)(٧).
قال : وعلى هذا النحو قول الشاعر : «أتيت المروءة من بابها». (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها)(٨)(٩).
__________________
(١) النحل ١٦ : ٢٦.
(٢) مجمع البيان ٦ : ١٥٠.
(٣) الحشر ٥٩ : ٢.
(٤) مجمع البيان ٩ : ٤٢٨.
(٥) النحل ١٦ : ١.
(٦) النحل ١٦ : ٢٦.
(٧) الفجر ٨٩ : ٢٢.
(٨) النمل ٢٧ : ٣٧.
(٩) المفردات : ٨ ـ ٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
