[٢ / ٥٨٦٠] وقال الثعلبي : ورأيت في الكتب أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا أراد الهجرة خلّف عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بمكّة لقضاء ديونه وردّ الودايع الّتي كانت عنده ، فأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار ، أن ينام على فراشه صلىاللهعليهوآلهوسلم وقال له : «اتّشح ببردي الحضرمي الأخضر ، ونم على فراشي ، فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله» ، ففعل ذلك عليّ عليهالسلام ، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالبقاء والحياة؟ فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه نفسه ويؤثره بالحياة! اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا ، فكان جبرئيل عند رأس عليّ وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب ، فنادى الله ـ عزوجل ـ الملائكة وأنزل الله على رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّ عليهالسلام : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ)(١).
[٢ / ٥٨٦١] وقال مقاتل بن سليمان في قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) وذلك أنّ كفّار مكّة أخذوا عمّارا وبلالا وخبّابا وصهيبا فعذّبوهم لإسلامهم حتّى يشتموا النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم. فأمّا صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان القرشي وكان شخصا ضعيفا فقال لأهل مكّة : لا تعذّبوني ، هل لكم إلى خير؟ قالوا : وما هو؟ قال : أنا شيخ كبير لا يضرّكم إن كنت معكم أو مع غيركم ، لئن كنت معكم لا أنفعكم ، ولئن كنت مع غيركم لا أضرّكم ، وإنّ لي عليكم لحقّا لخدمتي وجواري إيّاكم! فقد علمت أنّكم إنّما تريدون مالي وما تريدون نفسي ، فخذوا مالي واتركوني وديني غير راحلة! فإن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فقال بعضهم لبعض : صدق ، خذوا ماله فتعاونوا به على عدوّكم. ففعلوا ذلك فاشترى نفسه بماله كلّه غير راحلة ، واشترط ألّا يمنع عن صلاة ولا هجرة ، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله ، ثمّ ركب راحلته نهارا حتّى أتى المدينة مهاجرا فلقيه أبو بكر فقال : ربح البيع يا صهيب. فقال : وبيعك لا يخسر. فقال أبو بكر : قد أنزل الله فيك : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ).
__________________
(١) الثعلبي ٢ : ١٢٥ ـ ١٢٦ / ١٠٣ ؛ أسد الغابة ٤ : ٢٥ ؛ شواهد التنزيل ١ : ١٢٣ / ١٣٣ ؛ مجمع البيان ٢ : ٥٧.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
