لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ وليجعلها عمرة ، فحلّ الناس كلّهم وقصّروا إلّا النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ومن كان معه هدي.
فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ألعامنا أم لأبد؟ فشبّك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : دخلت العمرة في الحجّ ـ مرّتين ـ لا ، بل لأبد أبد.
فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ ، فركب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فصلّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثمّ مكث قليلا حتّى طلعت الشمس وأمر بقبّة له من شعر فضربت بنمرة.
فسار رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا تشكّ قريش أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة ، فأجاز رسول الله حتّى أتى عرفة ، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتّى إذا غربت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فركب حتّى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال : إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع ، ودماء الجاهليّة موضوعة ، وأوّل دم أضعه دم عثمان بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب ، وربا الجاهليّة موضوع وأوّل ربا أضعه ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه ، واتّقوا الله في النساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله ، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ، وإنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح ، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف.
وإنّي قد تركت فيكم ما لم تضلّوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله ، وأنتم مسؤولون عنّي فما أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت! قال : اللهمّ اشهد اللهمّ اشهد ثلاث مرّات ، ثمّ أذّن بلال ، ثمّ أقام فصلّى الظهر ، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصلّ بينهما شيئا ، ثمّ ركب القصواء حتّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتّى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه فدفع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد شنق للقصواء الزّمام حتّى أنّ رأسها ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى : أيّها الناس ، السّكينة السّكينة. كلّما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتّى تصعد ، حتّى أتى المزدلفة ، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئا ، ثمّ اضطجع
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
