الآيات : ١٩٠ ـ ١٩٤ من سورة البقرة. فحسبوا فيها تخالفا في ظاهر تعابيرها ، حتّى لجأ بعضهم إلى دعوى وقوع نسخ فيها بعضها لبعض ، فزعم أنّ آيات متقارنة بعضها نسخ بعضا ، مع أنّ الأصل في آيات متقارنة في سورة واحدة ، ومتناسبة بعضها مع البعض ، أنّها نزلت كذلك جميعا ؛ ومع ما في هاته الآيات من حروف العطف الآبية من دعوى كون بعضها قد نزلت مستقلّة عن قرينتها ، وليس هنا ما يلجىء إلى دعوى النسخ!؟ (١)
قال أبو عبد الله القرطبي : للعلماء في قوله تعالى : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ) قولان ، أحدهما : أنّها محكمة. والثاني : أنّها منسوخة.
[٢ / ٥٣٠١] ١ ـ قال مجاهد : الآية محكمة ، لا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلّا بعد أن يقاتل. (٢) وبه قال طاووس. وهو الّذي يقتضيه نصّ الآية ، وهو الصحيح من القولين. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
[٢ / ٥٣٠٢] وفي الصحيح عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم فتح مكّة : «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة» (٣).
[٢ / ٥٣٠٣] ٢ ـ وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(٤).
[٢ / ٥٣٠٤] وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ). ثمّ نسخ هذا قوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ). فيجوز الابتداء بالقتال في الحرم.
وممّا احتجّوا به أنّ «براءة» نزلت بعد «البقرة» بسنتين ، وأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم دخل مكّة وعليه المغفر (٥). فقيل : إنّ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة! فقال : «اقتلوه».
وقال ابن خويز منداد : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) منسوخة ؛ لأنّ الإجماع قد تقرّر بأنّ العدوّ لو استولى على مكّة وقال : لأقاتلكم وأمنعكم من الحجّ ، ولا أبرح من مكّة ، لوجب قتاله ، وأن
__________________
(١) راجع : التحرير والتنوير ٢ : ٢٠٠.
(٢) الطبري ٢ : ٢٦٢ / ٢٥٢٤ ؛ الثعلبي ٢ : ٨٨.
(٣) القرطبي ٢ : ٣٥١ ؛ ابن كثير ١ : ٢٣٣ ـ ٢٣٤.
(٤) التوبة ٩ : ٥.
(٥) زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس ، يلبس تحت القلنسوة.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
