التشابه والتماثل إذا كانا ممكنين. نظرا إلى أن الخصائص البلاغية واحدة فيما به التحدى وما به المعارضة. أما إذا اختلفت لغة التحدى ولغة المعارضة فهيهات أن يتحقق التشابه والتماثل بدقة ، لأن الخصائص البلاغية فى أحد اللسانين غير الخصائص البلاغية فى اللسان الآخر. ويوجد منها فى أحدهما ما لا يوجد فى الآخر. فيتعين التفاضل ويتعذر التماثل قطعا.
ولهذا يصرح كثير من المتمكنين فى اللغات بأن ترجمة النصوص الأدبية فى أية لغة ترجمة دقيقة أمر مستحيل. وأن ما يتداوله الناس مما يزعمونه ترجمات لبعض كتب أدبية فهو مبنى على ضرب من التسامح فى نقل معانى الأصل وأغراضه بالتقريب لا بالتحقيق. وذلك غير الترجمات الدقيقة لمثل العلوم والقوانين والوثائق المنضبطة ، فإنها ترجمات حقيقية ، مبنية على نقل معانى الأصل وأغراضه كلها بالتحقيق لا بالتقريب.
ولكى نوضح لك معنى المثلية المستحيلة فى ترجمة القرآن بهذا المعنى ، يرشدك إلى أن هذه الترجمة لا تتحقق إلا بأمور بعضها مستحيل وبعضها ممكن. ذلك أنه لا بد فيها ـ على ضوء ما تقدم ـ من أن تكون وافية بجميع. معانى القرآن الأصلية والتابعة على وجه مطمئن وأن تكون وافية كذلك بجميع مقاصده الثلاثة الرئيسية ، وتلك أمور مستحيلة التحقق كما سبق بيانه. ثم لا بد فيها أيضا من أن تكون صيغتها صيغة استقلالية ، خالية من الاستطراد والتزيد ، وتلك أمور ممكنة الوقوع فى ذاتها ، لكنها إذا أضيفت إلى سابقتها كان المجموع مستحيلا ، لأن المؤلف من الممكن والمستحيل مستحيل.
فإذا أريد بعد ذلك أن تكون ترجمة القرآن هذه حرفية ، وجب أن يعتبر فيها أمران زائدان : وجود مفردات فى لغة الترجمة مساوية لمفردات القرآن ، ووجود ضمائر وروابط فى لغة الترجمة مساوية لروابط القرآن ، حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيره من الأصل ، كما هو المشروط فى الترجمة الحرفية. وهذا ـ لعمر الله ـ مما يزيد التعذر استفحالا والاستحالة إيغالا ، ومما يجعل هذه الترجمة ـ لو وجدت ـ مثلا للقرآن يا له من مثل ، وشبيها لا يطاوله شبيه ، ومعارضا لا يغالبه معارض!!. وقد عرفت دليل
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
