وهذه النظرة الإسلاميّة لحرّيّة العقيدة ، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشريّة. هي الّتي تتّفق مع طبيعة الإسلام ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني ؛ فغاية الوجود الإنساني هي العبادة ، ويدخل في نطاقها كلّ نشاط خير يتّجه به صاحبه إلى الله. وأكرم ما في الإنسان حرّيّة الاعتقاد.
فالّذي يسلبه هذه الحرّيّة ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة ، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته. ومن ثمّ يدفعه بالقتل. لذلك لم يقل : «وقاتلوهم» ، إنّما قال : (وَاقْتُلُوهُمْ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي حيث وجدتموهم ، في أيّة حالة كانوا عليها ، وبأيّة وسيلة تملكونها ، مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق أو القتل صبرا (القتل بزجر).
[٢ / ٥٢٨٣] أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) قال : ارتداد المؤمن إلى الوثن أشدّ عليه من أن يقتل محقا (١).
[٢ / ٥٢٨٤] وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : الفتنة الّتي أنتم مقيمون عليها أكبر من القتل (٢).
[٢ / ٥٢٨٥] وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : فتنة الكفر (٣).
وعن آخرين : الفتنة الشرك (٤). أي الحالة الّتي عليها أهل الشرك من الزيغ والفساد في الأرض.
[٢ / ٥٢٨٦] وأخرج البخاري عن نافع عن ابن عمر ، أنّ رجلا (٥) جاءه فقال : يا أبا عبد الرحمان ،
__________________
(١) الدرّ ١ : ٤٩٤ ؛ الطبري ٢ : ٢٦١ / ٢٥٣٦ ؛ القرطبي ٢ : ٣٥١ ، بلفظ : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ : أي من أن يقتل المؤمن. فالقتل أخفّ عليه من الفتنة.
(٢) الدرّ ١ : ٤٩٤ ؛ ابن أبي حاتم ١ : ٣٢٦ / ١٧٢٧ ؛ ابن كثير ١ : ٢٣٣.
(٣) الطبري ٢ : ٢٦٢.
(٤) الطبري ٢ : ٢٦١ ؛ الثعلبي ٢ : ٨٨ ؛ ابن أبي حاتم ١ : ٣٢٦ ؛ عبد الرزّاق ١ : ٣١٤.
(٥) قال ابن حجر : تقدّم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصور من أنّ السائل هو حيّان صاحب الدثنية. وروى أبو بكر النجّاد في فوائده أنّه الهيثم بن حنش. وقيل : نافع بن الأزرق. وسأذكر في الطريق الّتي بعد هذه قولا آخر. قال : ولعلّ السائلين عن ذلك جماعة ، أو تعدّدت القصّة. (فتح الباري ٨ : ٢٣٢).
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
