بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)(١).
فمقتضى رأفته تعالى ورحمته أن لا يضيع أجر الإيمان حتّى من العصاة ، حيث الإيمان من أفضل القربات.
وقوله تعالى : (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(٢). وقوله : (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(٣). وقوله : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)(٤). وقوله : (لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ)(٥). وقوله : (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ)(٦). وقوله : (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(٧). وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)(٨).
الآيات كلّها في صياغة عموم ، بصورة تأبى عن التخصيص حسب ظاهر تعبيرها ، حيث فرضت إعفاء أيّ حسنة من حسنات العبد ظلما به ، حتّى ولو كانت ملحوقة بسيّئة ، إذ لا تجزى سيّئة إلّا بمثلها ، أمّا محق جميع الحسنات فليس جزاء بالمثل فضلا عن قبحه العقلي على ما هو معلوم!
وقال تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ)(٩) وقد أسلفنا أنّ مرتكب المعصية لا يخرج من الإيمان ، فبعموم هذه الآية الكريمة تكون أعماله الصالحة جميعا المتقدّمة والمتأخّرة ، مشكورة له مثبتة في سجّل حسناته محفوظة!
وقال : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ) على الإطلاق (سَوْفَ يُرى)(١٠). وقال : (لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى)(١١). وقال تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ)(١٢).
ولعلّها أصرح آية في عموم التوفية ، وأن لا حبط بشأن المؤمن ، حتّى ولو كان مرتكبا لذنب ،
__________________
(١) البقرة ٢ : ١٤٣.
(٢) آل عمران ٣ : ٢٥.
(٣) البقرة ٢ : ٢٨١ وآل عمران ٣ : ١٦١.
(٤) البقرة ٢ : ٢٨٦.
(٥) إبراهيم ١٤ : ٥١.
(٦) غافر ٤٠ : ١٧.
(٧) الجاثية ٤٥ : ٢٢.
(٨) المدثّر ٧٤ : ٣٨.
(٩) الأنبياء ٢١ : ٩٤.
(١٠) النجم ٥٣ : ٣٩ ـ ٤٠.
(١١) طه ٢٠ : ١٥.
(١٢) الأحقاف ٤٦ : ١٦.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
