مثوبات كان يستحقّها المحسن إزاء أعماله الحسنة ، بمجرّد سيّئة فرطت منه لشهوة عابرة أو أسباب أخر وافته عفوا من غير أن يكون قد أصرّ عليها أو هاتكا لحريم مولاه عن قصد خبيث!؟
نعم لو كنّا نقول بأنّ المؤمن إذا عصى خرج عن الإيمان ـ كما يقوله المعتزلة ويثبتون له منزلة بين المنزلتين ـ لكان لهذا الاحتمال الباطل مجال ، لكنّا رفضنا هذا الرأي ، وأنّ الفاسق ـ عندنا ـ باق على إيمانه ما لم يجحد أو ينكر الرسالة. ومن ثمّ فهو كما يستحقّ مذمّة وعقابا على معصيته ، كذلك يستحقّ مدحا وثوابا على ثباته على الإيمان وسائر أعماله الصالحة. ولا تنافي بين الأمرين ـ حسبما تقدّم ـ فيعاقب عقابا منقطعا ثمّ يثاب على الحسنات ، إذا لم يشمله الغفران من البدء.
ثانيا : لازم تقييد المثوبات واشتراطها بعدم لحوق سيّئة أبدا ، هو اشتراط العصمة طول العمر كما في الأنبياء والأئمّة المعصومين! وهل من العدل والحكمة أن يشترط المولى الكريم ، على عباده ـ الّذين خلقهم على درجات من ضعف وعجز تجاه نزعات ومشتهيات نفسيّة وغيرها من مغريات ـ أن لا يرتكبوا ذنبا طول حياتهم ، كي يفوزوا بثواب ما يعملون من الصالحات؟! وهل هذا ممكن؟! وهل يمكن لأحد أن يتخرّج بالإيفاء بهذا الشرط بسلام؟!
ثالثا : منافاته لعموم الكتاب والسنّة وإطلاقهما من غير ما مخصّص أو مقيّد. قال تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ)(١). وهذا عامّ يشمل الأعمال الحسنة الّتي قام بها مرتكب السيّئة المتأخّرة أيضا.
وهكذا قوله : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)(٢). والعقل يرى من الظلم أن تمحق سيّئة واحدة لا حقة ، حسنات تقدّمتها ، والله لا يبخس من حسنات العباد حتّى مثقال ذرّة منها ، فكيف بالحسنات الجسام؟ بل ومن فضله ولطفه بعباده أن يضاعف حسناتهم على الإطلاق ، سواء أكانت سابقة على السيّئة أم لا حقة! هذا ما يفيده إطلاق الآية ولا مقيّد لها ، على ما سنذكر.
رابعا : منافاته لقانون التناسب بين الذنب والعقاب ، وقد قال تعالى : (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(٣). وقال : (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها)(٤). وقال :
__________________
(١) الزلزلة ٩٩ : ٧.
(٢) النساء ٤ : ٤٠.
(٣) الأنعام ٦ : ١٦٠.
(٤) يونس ١٠ : ٢٧.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
