وحدتهم على الكفر.
لكن يناقضه ما ورد في آيات أخرى ، مرادا به الاتّحاد على الإيمان والإسلام. كقوله تعالى :
(وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)(١). وقوله : (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(٢). وقوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(٣). أي أمّة واحدة على الهدى ، حيث سياق الآية سياق قوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ...)(٤).
[٢ / ٥٩٣٥] وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عبّاس : (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) قال : كفّارا! (٥)
قال أبو جعفر الطبري : وكان الدين الّذي كانوا عليه دين الحقّ ... فاختلفوا في دينهم ، فبعث الله عند اختلافهم في دينهم النبيّين مبشّرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، رحمة منه ـ جلّ ذكره ـ بخلقه ، واعتذارا منه إليهم. وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الّذي كانوا فيه أمّة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهماالسلام ، كما روى عكرمة عن ابن عبّاس ، وكما قاله قتادة. وجائز أن يكون كان ذلك حين عرض على آدم خلقه. وجائز أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك. ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجّة على أيّ هذه الأوقات كان ذلك ، فغير جائز أن نقول فيه إلّا ما قال الله ـ عزوجل ـ من أنّ الناس كانوا أمّة واحدة ، فبعث الله فيهم ـ لمّا اختلفوا ـ الأنبياء والرسل. ولا يضرّنا الجهل بوقت ذلك ، كما لا ينفعنا العلم به ، إذا لم يكن العلم به لله طاعة (٦).
__________________
(١) المؤمنون ٢٣ : ٥٢.
(٢) الأنبياء ٢١ : ٩٢.
(٣) النحل ١٦ : ٩٣.
(٤) الأنعام ٦ : ٣٥.
(٥) الدرّ ١ : ٥٨٣ ؛ الطبري ١٣ : ٨٧ / ٢٣٨٥٠ ، بلفظ : عن ابن عبّاس قوله (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) يقول الله سبحانه : لو لا أن أجعل الناس كلّهم كفّارا لجعلت للكفّار لبيوتهم سقفا من فضّة ؛ ابن أبي حاتم ٢ : ٣٧٦ / ١٩٨٣ ؛ القرطبي ٣ : ٣١ ، بلفظ : قال ابن عبّاس أيضا : كانوا أمّة واحدة على الكفر. يريد في مدّة نوح حين بعثه الله ؛ ابن كثير ١ : ٢٥٧ ؛ مجمع البيان ٢ : ٦٥ ، عن ابن عبّاس في إحدى الروايتين والحسن واختاره الجبّائي ؛ التبيان ٢ : ١٩٥ ؛ الوسيط ١ : ٣١٥.
(٦) الطبري ٢ : ٤٥٧ ـ ٤٥٨.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
