وعندئذ وبمقتضى قاعدة اللطف (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِ) نصوص الشرائع الإلهية الغرّاء ، والّتي هي بدورها القول الفصل (لِيَحْكُمَ) ليفصل (بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) من مهامّ شؤونهم في الحياة.
ولكن ، إن كان هناك من العوامل الّتي تبعث على الجدل والتناحر ، هو الانحراف عن جادّة الحقّ ـ مهما كان واضحا ـ حيث غلبة الهوى واتّباع الشهوات وحبّ الذات في صورها الإفراطيّة الباعثة على التطاول والتجاوز وحبّ التكاثر المقيت.
وكان من هذه العوامل ما ظلّت كامنة في جبلّة الإنسان ، من غير أن تزول بسهولة ، لو لا الارتياض على التقوى وحبّ الصلاح.
تلك رواسب كمنت في واقع الإنسان ، فأنّى قلعها والانفلات منها لو لا تداوم القرع العنيف بمهميز التبشير القاطع والإنذار القامع.
نعم ، إنّ من تلك الرواسب ما بقيت منها بقيّة ، ومن ثمّ كانت السبب في عودة الاختلاف ، حتّى بعد أن جاءهم الهدى وواجهتهم الآيات والبيّنات.
(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) اختلفوا في تفسير الحقّ الّذي جاءهم (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ) ولمسوه ووجدوه حقّا ، لو لا التنافس على المطامع والرغائب. اختلافا (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ).
فقد جاءهم الكتاب. ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هنا وهناك ، وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تجعل من الناس تبتعد عن قبول الحقّ وعن الانصياع لحكم الكتاب.
(بَغْياً بَيْنَهُمْ) والبغي هو الحسد والحرص على المطامع والرغائب ، هو الّذي قاد الناس إلى المضيّ في الاختلاف وفي التفرّق واللجاج والعناد.
وهذه حقيقة ، فما يختلف اثنان على أصل الحقّ الواضح اللائح في الكتاب ، إلّا وفي نفس أحدهما أو كلاهما بغي وهوى وزلّة عن الفطرة المستقيمة.
فأمّا حينما يكون هناك إيمان وعقيدة صادقة ، فلا بدّ من التفاهم والاتّفاق والالتقاء على منهج الحقّ.
(فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ). حيث كان النفوس مستعدّة لقبول الحقّ ، والحكمة ضالّة المؤمن أخذها حيث وجدها. (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) من عباده المؤمنين (إِلى
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
